﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾
فوجدت أن القرآن لم يتحدث عن بناء المساجد، وإنما تحدث عن عمارتها.
وبين البناء والعمارة فرق كبير...
فالبناء قد يقيم جدرانًا وسقفًا، أما العمارة فتبني رسالة، وتصنع هوية، وتُخلِّد حضارة.
ومن هنا كانت عمارة المسجد في الحضارة الإسلامية علمًا، وفنًا، ورسالة، وليست مجرد عملية إنشائية أو تشكيل هندسي.
لقد تشرفت خلال مسيرتي العملية بأن أعمل مديرًا عامًا للمشروعات والتصميمات بوزارة الأوقاف المصرية، ثم رئيسًا لمجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية، وأعتبر أن من أعظم ما أفخر به أنني تتلمذت على فكر رواد مدرسة عمارة المساجد، وفي مقدمتهم أستاذانا الجليلان المهندس عبد السلام نظيف، والمهندس إسماعيل مرعي، رحمهما الله، وغيرهما من القامات التي آمنت بأن المسجد ليس مبنى يُقام، بل رسالة تُخلَّد.
لقد كانت الإدارة المركزية للشؤون الهندسية بوزارة الأوقاف مدرسة حقيقية في عمارة المساجد، ولم تكن مجرد إدارة تتولى إعداد الرسومات أو الإشراف على التنفيذ، بل كانت تحمل رسالة الحفاظ على الشخصية المعمارية للمسجد المصري، وتوريث هذا الفن جيلًا بعد جيلٍ.
ويشهد على ذلك عشرات المشروعات التي أصبحت علامات مضيئة في تاريخ العمارة الإسلامية المعاصرة، ومنها مسجد النور بالعباسية، ومسجد الفتح برمسيس، والمسجد الأحمدي (السيد البدوي) بطنطا، ومسجد البحر بدمياط، ومسجد النصر بالمنصورة، إلى جانب الإسهام في عدد من المساجد خارج مصر، ومنها مسجد السيد علي الميرغني بالخرطوم، فضلًا عن آلاف المساجد التي انتشرت في ربوع مصر، تحمل جميعها روح المدرسة المصرية في عمارة المساجد.
وليس المقصود من ذكر هذه النماذج التفاخر، وإنما التأكيد على أن مصر تمتلك رصيدًا هائلًا من الخبرة المتخصصة في هذا المجال، وهو رصيد يجب الحفاظ عليه، والاستفادة منه، وتطويره.
فالعمارة الإسلامية ليست زخارف تُضاف إلى الواجهات، وليست قبابًا ومآذن فحسب، وإنما هي منظومة متكاملة تقوم على أصول علمية وفنية دقيقة، تراكمت عبر قرون طويلة.
فللقباب نسبها، وللمآذن طرزها، وللعقود أشكالها، وللمقرنصات قواعدها، وللزخارف فلسفتها، وللخط العربي مكانته، وللمحراب، والمنبر، والأروقة، والمداخل، والفراغات، والضوء، والظل، علاقة متوازنة تشكل في مجموعها شخصية المسجد الإسلامي.
ولذلك فإن تصميم المسجد ليس مجالًا للاجتهاد غير المتخصص، تمامًا كما لا نكلف غير المتخصص بتصميم مستشفى، أو مطار، أو متحف.
ولعل ما يغيب عن كثيرين أن المسجد ليس مكانًا تؤدى فيه الصلاة فحسب.
إنه روح التجمع العمراني...
وقلب المدينة...
وأول معلم يراه الطفل، فتتشكل في وجدانه صورة الدين.
وفيه يتعلم الإنسان النظام، والسكينة، والجمال، والانتماء.
فالمسجد لا يعلم الناس العبادة وحدها...
بل يعلمهم الذوق أيضًا.
ولهذا لم يكن اهتمام المسلمين بعمارة المساجد نوعًا من الترف، وإنما كان جزءًا من فهمهم العميق لمعنى قوله ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال».
ومن هذا المنطلق، أتوقف أمام ظاهرة انتشار بناء المساجد بالجهود الذاتية.
وأقول بكل تقدير واحترام: إن أصحاب هذه المساجد مأجورون عند الله على نياتهم، وقد أنفقوا أموالهم ابتغاء مرضاته، كما أن كثيرًا من المهندسين الذين صمموها بذلوا جهدًا مخلصًا يستحق كل الاحترام.
لكن الإخلاص وحده لا يغني عن التخصص.
فقد نرى مسجدًا بلغت تكلفته ملايين الجنيهات، بينما جاءت بعض عناصره المعمارية بعيدة عن أصول العمارة الإسلامية، أو اختلطت فيه الطرز، أو فقدت النسب دقتها، فضاعت الشخصية التي تميز المسجد الإسلامي.
وهنا أصل إلى جوهر الفكرة...
إنني لا أدعو إلى احتكار التصميم...
ولا إلى تعقيد الإجراءات...
ولا إلى التقليل من جهود المحسنين...
بل أدعو إلى أن تصبح خبرة وزارة الأوقاف المصرية في عمارة المساجد مرجعًا فنيًا لكل من يريد تشييد بيت من بيوت الله.
وأقترح أن تُراجع تصميمات المساجد، أيًا كانت جهة تمويلها، بواسطة لجنة تضم نخبة من المتخصصين في العمارة الإسلامية، تتولى مراجعة اتجاه القبلة، والنسب المعمارية، والقباب، والمآذن، والعقود، والزخارف، والخط العربي، وسائر عناصر المسجد؛ حفاظًا على الهوية، مع فتح الباب أمام كل تطوير وإبداع يحترم أصول هذا الفن العريق.
فالعمارة الإسلامية ليست فنًا جامدًا...
ولكنها أيضًا ليست فنًا بلا ضوابط.
إن التطوير الحقيقي هو الذي ينطلق من الجذور، لا الذي يقتلعها.
ويبقى المسجد، بعد عشرات السنين، شاهدًا على عصره.
فإما أن يشهد بأننا أحسنا عمارة بيوت الله...
أو يشهد بأننا اكتفينا ببنائها.
إن المسجد ليس مبنى من بين المباني...
بل هو أعظم مبنى في المجتمع.
لأنه البيت الذي جعله الله موضع عبادته، ومنارة هدايته، ومجمع المؤمنين.
ولعل أبلغ ما يلخص هذه الرسالة قول الحق سبحانه:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾
إن هذا الرفع ليس ارتفاع الجدران وحدها...
ولا علو المآذن فحسب...
بل هو رفعة الرسالة...
ورفعة الجمال...
ورفعة الإتقان...
ورفعة الهوية التي تميز بيوت الله عبر العصور.
إن هوية الأمم لا تحفظها القوانين وحدها، ولا الكتب وحدها، بل تحفظها أيضًا معالمها الخالدة.
وستظل بيوت الله، ما بقي الزمان، من أعظم الشواهد على هوية الأمة الإسلامية، وعقيدتها، وذوقها، وحضارتها.
فلا تجعلوا بيوت الله ساحة لاجتهاد غير المتخصصين...
ولا تسمحوا أن تضيع مدرسة معمارية مصرية عظيمة، حمل رايتها رجال أفذاذ، وأفنوا أعمارهم في خدمتها، حتى أصبحت مناراتها شاهدًا على عظمة الفن الإسلامي.
إن عمارة المساجد ليست هندسة بناء...
بل عمارة للوجدان...
وصياغة للهوية...
وحفظًا لذاكرة الأمة...
وأمانة سنُسأل عنها أمام الله...
ثم أمام التاريخ.
_________
* رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية الأسبق
* مدير عام المشروعات والتصميمات بوزارة الأوقاف المصرية سابقًا