يأتي اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية ليجدد التأكيد على أن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وجهان لعملة واحدة؛ فلا يمكن الحديث عن حماية الحقوق والحريات في غياب سياسات تحقق الإنصاف وتحد من الفقر والتمييز والإقصاء، كما لا يمكن بناء مجتمعات مستقرة ومستدامة دون ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لجميع المواطنين، بما يعزز التنمية ويحقق المشاركة المتكافئة في ثمارها.
تطوير منظومة العدالة الجنائية ركيزة أساسية لبناء الجمهورية الجديدة وتعزيز سيادة القانون
أكد الدكتور محمد ممدوح عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان ورئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري، في تصريح "اليوم السابع"، أن الاحتفال باليوم العالمي للعدالة الجنائية يمثل مناسبة مهمة لإعادة التأكيد على أن العدالة هي الأساس الحقيقي لاستقرار الدول، وأن المجتمعات لا يمكن أن تشعر بالأمن والطمأنينة إلا عندما يثق المواطن في قدرة القانون على حمايته، وإنصافه، ومحاسبة كل من يعتدي على حقوقه دون تمييز أو انتقائية.
مفهوم العدالة الجنائية لا ينبغي اختزاله في توقيع العقوبة
وقال ممدوح إن مفهوم العدالة الجنائية لا ينبغي اختزاله في توقيع العقوبة، فالعدالة منظومة متكاملة تبدأ من الوقاية من الجريمة، وتمر بإجراءات جمع الاستدلالات والتحقيق والمحاكمة، وتنتهي بتنفيذ العقوبة وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي، بما يحقق التوازن بين حق المجتمع في الأمن، وحق الضحية في الإنصاف وجبر الضرر، وحق المتهم في محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات القانونية والدستورية.
قوة الدولة وهيبتها لا تقاس فقط بقدرتها على توقيع العقاب بل بتطبيق القانون بعدالة
وأضاف أن قوة الدولة وهيبتها لا تقاس فقط بقدرتها على توقيع العقاب، وإنما تقاس أيضًا بقدرتها على تطبيق القانون بعدالة وتجرد، وصون كرامة الإنسان في جميع مراحل التعامل مع منظومة العدالة، انطلاقًا من أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأن حقوق الإنسان وسيادة القانون لا يمثلان قيدًا على العدالة، بل يشكلان الضمانة الأساسية لصحتها ومشروعيتها وثقة المواطنين فيها.
وأوضح عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان أن العدالة الجنائية الحقيقية يجب أن تضع الضحايا في قلب منظومة العدالة، من خلال ضمان حقهم في الوصول إلى القضاء، والحصول على المعلومات، والحماية من أي تهديد أو انتقام، والمشاركة الفعالة في الإجراءات، وتوفير آليات مناسبة للتعويض وجبر الضرر، خاصة بالنسبة إلى ضحايا العنف والاتجار بالبشر والتعذيب والجرائم المنظمة والإرهاب والجرائم التي تستهدف النساء والأطفال والفئات الأولى بالرعاية.
عالمنا يشهد تصاعدًا غير مسبوق في الجرائم المنظمة والعابرة للحدود
وأشار إلى أن عالمنا يشهد اليوم تصاعدًا غير مسبوق في الجرائم المنظمة والعابرة للحدود، والاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، والجرائم الإلكترونية، وجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب أثناء النزاعات المسلحة، وهو ما يفرض تعزيز التعاون الدولي والقضائي، وتبادل المعلومات والخبرات، وتطوير التشريعات الوطنية، مع الالتزام الكامل بضمانات المحاكمة العادلة وعدم توظيف العدالة بصورة انتقائية أو إخضاعها للاعتبارات السياسية.
وشدد ممدوح على أن أخطر ما يهدد منظومة العدالة الدولية هو ازدواجية المعايير، مؤكدًا أن العدالة التي تتعامل مع الجرائم وفقًا لهوية مرتكبها أو قوة الدولة التي ينتمي إليها لا يمكن أن تحقق السلام أو تحظى بثقة الشعوب، وأن دماء الضحايا وكرامتهم لا يجوز أن تخضع لأي حسابات سياسية أو مصالح دولية.
المجتمع الدولي مطالب بتطبيق قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني على الجميع
وقال إن المجتمع الدولي مطالب بإثبات أن قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني تنطبق على الجميع دون استثناء، وأن حماية المدنيين ووقف استهداف النساء والأطفال والمنشآت الطبية والإغاثية ليست مواقف سياسية، وإنما التزامات قانونية وأخلاقية لا يجوز التراجع عنها، مؤكدًا أن الإفلات من العقاب لا يؤدي إلا إلى تشجيع المزيد من الجرائم، وإضعاف النظام الدولي، وتعميق مشاعر الغضب وفقدان الثقة لدى الشعوب.
الشعب الفلسطينى خارج منظومة العدالة الدولية
وأكد أن ما يشهده الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، يضع منظومة العدالة الجنائية الدولية أمام اختبار حقيقي وغير مسبوق، في ظل سقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين، وتدمير المساكن والمنشآت الصحية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، مشددًا على أن حماية المدنيين ومساءلة المسؤولين عن أي جرائم أو انتهاكات جسيمة يجب ألا تكون محل انتقائية أو مساومة.
الدولة المصرية قطعت خطوات مهمة في تحديث البنية التشريعية والقضائية
وفيما يتعلق بمنظومة العدالة داخل مصر، أوضح ممدوح أن الدولة المصرية قطعت خطوات مهمة في تحديث البنية التشريعية والقضائية، وتطوير المحاكم، والتوسع في استخدام التكنولوجيا والتحول الرقمي، وتعزيز قدرات مؤسسات إنفاذ القانون، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه الخطوات من خلال رؤية وطنية شاملة لتطوير منظومة العدالة الجنائية، تعتمد على التقييم المستمر للأثر التشريعي، وسرعة الفصل في القضايا، وتسهيل وصول المواطنين إلى العدالة، وتقديم الدعم القانوني لغير القادرين.
وأضاف أن تطوير العدالة الجنائية يجب أن يشمل إعادة النظر بصورة مستمرة في بدائل الحبس الاحتياطي، والتوسع في العقوبات البديلة في الجرائم التي تسمح طبيعتها بذلك، وتعزيز برامج التأهيل والإصلاح داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وتقديم الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم، بما يقلل من معدلات العودة إلى الجريمة ويساعدهم على الاندماج مرة أخرى في المجتمع.
وأشار إلى أن العقوبة في الدولة الحديثة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للانتقام، وإنما يجب أن تحقق الردع والإصلاح والحماية المجتمعية، وأن نجاح أي منظومة عدالة لا يقاس فقط بعدد الأحكام الصادرة، بل بقدرتها على الحد من الجريمة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح الجناة، ومنع تكرار الانتهاكات.
أهمية التوسع في تدريب وتأهيل جميع المتعاملين مع منظومة العدالة الجنائية
كما أكد أهمية التوسع في تدريب وتأهيل جميع المتعاملين مع منظومة العدالة الجنائية، وتعزيز إدماج مبادئ حقوق الإنسان في برامج بناء القدرات، والاستفادة من التطورات التكنولوجية مع وضع ضمانات واضحة تمنع المساس بالخصوصية أو استخدام التكنولوجيا والخوارزميات بصورة قد تؤثر في حياد القرارات أو عدالة الإجراءات.
ولفت ممدوح إلى أن للمجتمع المدني دورًا مهمًا في دعم منظومة العدالة، من خلال نشر الثقافة القانونية، وتوعية المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، وتقديم المساعدة القانونية، ورصد التحديات المجتمعية، وإعداد الدراسات والتوصيات، ودعم برامج التأهيل وإعادة الدمج، في إطار من التعاون واحترام اختصاصات مؤسسات الدولة واستقلال السلطة القضائية.
وأضاف أن تحقيق العدالة يتطلب كذلك الاهتمام بالأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي قد تؤدي إلى الجريمة، مثل الفقر والتهميش والبطالة والتسرب من التعليم والإدمان والتفكك الأسري، مؤكدًا أن السياسات الجنائية الأكثر كفاءة هي التي تجمع بين قوة إنفاذ القانون، والوقاية الاجتماعية، وحماية الفئات الأكثر عرضة للاستغلال والانحراف.
واختتم الدكتور محمد ممدوح تصريحه مؤكدًا أن اليوم العالمي للعدالة الجنائية يجب ألا يكون مجرد مناسبة للاحتفال، وإنما فرصة لتجديد الالتزام بأن لا أحد فوق القانون، ولا ضحية دون إنصاف، ولا متهم دون ضمانات، ولا جريمة جسيمة دون مساءلة.
وأكد أن مصر التي نسعى إليها هي دولة قوية بالقانون، عادلة بمؤسساتها، آمنة لمواطنيها، وقادرة على حماية المجتمع دون انتقاص من الحقوق والحريات، لأن العدالة وحقوق الإنسان والأمن ليست مسارات متعارضة، وإنما ركائز متكاملة لبناء دولة حديثة تحترم الإنسان وتصون كرامته.
وليد فاروق: غزة تكشف انهيار مبدأ المساواة أمام القانون الدولي
أكد وليد فاروق رئيس الجمعية الوطنية للحقوق والحريات، أنه لم يعد اليوم العالمي للعدالة الجنائية الدولية مجرد مناسبة قانونية لاستحضار ذكرى اعتماد نظام روما الأساسي وإنما أصبح محطة سنوية لمراجعة مدى قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بالتزاماته في حماية الإنسان ومحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية.
مبدأ العدالة الجنائية بسيط وواضح
وأوضح وليد، إن جوهر العدالة الجنائية الدولية يقوم على مبدأ بسيط وواضح وهو أن الكرامة الإنسانية لا تعرف الحدود وأن مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب يجب ألا يفلتوا من المساءلة أيًا كانت هويتهم أو مواقعهم أو موازين القوى التي تحيط بهم.
وأشار الحقوقى، إلى أن التطورات التي يشهدها العالم اليوم تفرض تساؤلات مشروعة حول مدى اتساق الممارسة الدولية مع المبادئ التي تأسست عليها منظومة العدالة الجنائية الدولية. فكلما اتسعت الفجوة بين النصوص القانونية وآليات تنفيذها تراجعت ثقة الشعوب في النظام القانوني الدولي وازدادت قناعة الضحايا بأن العدالة أصبحت رهينة الحسابات السياسية أكثر من ارتباطها بحكم القانون.
وتبقى المأساة الإنسانية في قطاع غزة النموذج الأكثر إيلامًا لهذا التحدي. فحجم الدمار الذي طال الأحياء السكنية والمنشآت المدنية وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وما رافق ذلك من نزوح واسع وتدهور غير مسبوق للأوضاع الإنسانية يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لا يجوز التنصل منها. إن قواعد القانون الدولي الإنساني لم توضع لتكون نصوصًا نظرية وإنما لحماية المدنيين وقت النزاعات المسلحة وضمان احترام مبدأي التمييز والتناسب وحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
احترام القانون الدولي
واكد فارق، لا يكتمل احترام القانون الدولي إلا بإعمال مبدأ المساءلة. فكل ادعاء بوقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي يجب أن يقابله تحقيق مستقل ونزيه وفعال وصولًا إلى محاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو انتقائية. فالعدالة التي تتوقف عند حدود النفوذ السياسي ليست عدالة بل إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون الذي قامت عليه المنظومة الدولية.
وتابع رئيس الوطنية للحقوق والحريات، لقد أثبتت التجارب الدولية أن الإفلات من العقاب لا يؤدي إلا إلى إنتاج المزيد من العنف وإطالة أمد النزاعات. ومن ثم فإن العدالة الجنائية الدولية ليست وسيلة للانتقام بل ضمانة لحماية الإنسان وردع الجناة ومنع تكرار الانتهاكات وبناء سلام دائم قائم على احترام القانون.
الدور المصري نموذجًا يجمع بين التحرك السياسي والمسؤولية الإنسانية
وفي هذا الإطار يبرز الدور المصري باعتباره نموذجًا يجمع بين التحرك السياسي والمسؤولية الإنسانية. فقد واصلت مصر جهودها من أجل وقف إطلاق النار وتيسير دخول المساعدات الإنسانية ودعم المساعي الرامية إلى حماية المدنيين وتهيئة الظروف لاستعادة الاستقرار. كما أكدت في مختلف المحافل الدولية أن تحقيق السلام لا يمكن أن ينفصل عن احترام القانون الدولي وإنفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني والحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وفقًا لقرارات الشرعية الدولية.
دعوة صادقة لإعادة الاعتبار لمبدأ عالمية العدالة
كما أكد وليد فارق، إن اليوم العالمي للعدالة الجنائية الدولية يجب أن يكون دعوة صادقة لإعادة الاعتبار لمبدأ عالمية العدالة. فلا يجوز أن تبقى قواعد القانون الدولي رهينة الانتقائية أو ازدواجية المعايير لأن ذلك يقوض الثقة في المؤسسات الدولية ويضعف قدرتها على أداء رسالتها.
وإذا كانت العدالة الجنائية الدولية قد أنشئت من أجل حماية الإنسانية من أخطر الجرائم فإن غزة اليوم تمثل الاختبار الحقيقي لمصداقية هذه المنظومة. فإما أن تثبت المؤسسات الدولية قدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء وإما أن تتسع الفجوة بين المبادئ المعلنة والواقع العملي بما يهدد مستقبل العدالة الدولية ذاتها. وستظل حقوق الضحايا والحق في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر والمساءلة هي المعيار الحقيقي الذي يقاس به نجاح المجتمع الدولي في الدفاع عن قيم العدالة وسيادة القانون
العدالة الدولية لا تخضع للسياسة وغزة والسودان نموذجان للمعاناة
قال أحمد فوقي، رئيس مؤسسة مصر السلام للتنمية وحقوق الإنسان، إن اليوم العالمي للعدالة الجنائية يأتي هذا العام في وقت يشهد فيه العالم تصاعدًا غير مسبوق في النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، بما يفرض تحديات جسيمة أمام منظومة العدالة الدولية، ويؤكد أن مكافحة الإفلات من العقاب لم تعد خيارًا، بل ضرورة لحماية المدنيين وصون السلم والأمن الدوليين.
وأضاف فوقي أن استمرار الانتهاكات الجسيمة في عدد من مناطق النزاع، بما في ذلك الأراضي الفلسطينية المحتلة، والسودان، وأوكرانيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغيرها من بؤر الصراع، يذكر المجتمع الدولي بأن العدالة لا ينبغي أن تخضع للاعتبارات السياسية أو ازدواجية المعايير، وإنما يجب أن تستند إلى مبادئ القانون الدولي وتُطبق على الجميع دون استثناء.
وأكد فوقي أن العدالة الجنائية الدولية تمثل أحد أهم الضمانات لحماية حقوق الضحايا، وردع مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، مشددًا على أن المساءلة العادلة والمنصفة تسهم في منع تكرار الانتهاكات، وتمهد الطريق لتحقيق مصالحة حقيقية وسلام مستدام.
واختتم رئيس مؤسسة مصر السلام تصريحه بالتأكيد على أن إحياء اليوم العالمي للعدالة الجنائية يجب أن يكون دعوة متجددة لتعزيز استقلال المؤسسات القضائية الدولية، ودعم جهودها في أداء ولايتها، وتجديد التزام الدول باحترام القانون الدولي، حتى لا يبقى الضحايا في مختلف أنحاء العالم أسرى انتظار العدالة، بل يجدوا إنصافًا حقيقيًا يعيد إليهم جزءًا من حقوقهم وكرامتهم.
لا سلام مستدام مع الإفلات من العقاب ولا عدالة حقيقية بمعايير انتقائية
أكد الدكتور شريف عبد الحميد، رئيس مؤسسة مانديلا للحقوق والديمقراطية، أن هذه المناسبة تأتي في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى منظومة عدالة دولية مستقلة وفعالة، قادرة على حماية الضحايا ومواجهة الجرائم الجسيمة والانتهاكات الخطيرة، بعيداً عن الحسابات السياسية وازدواجية المعايير. هذا بمناسبة يوم العدالة الجنائية الدولية، الموافق 17 يوليو.
وقال الدكتور شريف عبد الحميد، رئيس مؤسسة مانديلا للحقوق والديمقراطية: "إن العدالة الجنائية الدولية ليست مفهوماً قانونياً بعيداً عن حياة الناس، بل هي ضمانة أساسية لكرامة الإنسان وحق الضحايا في الحقيقة والإنصاف، فعندما تغيب المحاسبة، لا تنتهي الجريمة بانتهاء لحظتها، وإنما تستمر آثارها في حياة الضحايا وأسرهم، وتبقى المجتمعات مهددة بتكرار العنف والانتهاكات".
وأضاف أن مكافحة الإفلات من العقاب لا تعني السعي إلى الانتقام، وإنما تعني إخضاع كل من تثبت مسؤوليته للقانون من خلال تحقيقات مستقلة ومحاكمات عادلة، تكفل حقوق الضحايا وتحترم في الوقت ذاته قرينة البراءة وحقوق الدفاع وسائر الضمانات القانونية. فقوة العدالة لا تُقاس فقط بما تصدره من أحكام، وإنما بنزاهة الإجراءات التي تقود إليها واستقلال المؤسسات القائمة عليها.
وأشار إلى أن الأزمات الراهنة في المنطقة العربية تكشف بوضوح خطورة غياب آليات المساءلة الفعالة، ففي السودان، تثير الانتهاكات الجسيمة التي وثقتها تقارير الأمم المتحدة في دارفور، ولا سيما ما نُسب إلى قوات الدعم السريع خلال الهجمات على المدنيين ومخيمات النازحين، ضرورة إجراء تحقيقات شاملة ومحايدة، تحفظ الأدلة وتحدد المسؤوليات الفردية وتضمن محاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كانت صفته أو الجهة التي ينتمي إليها. كما يجب أن تشمل المساءلة جميع الانتهاكات المنسوبة إلى مختلف أطراف النزاع دون استثناء أو انتقائية.
وفي اليمن، أكد أن استمرار احتجاز موظفين تابعين للأمم المتحدة والعاملين في المجالين الإنساني والمدني لدى سلطات الأمر الواقع التابعة لجماعة أنصار الله "الحوثيين" يثير مخاوف حقوقية بالغة، ويؤثر في قدرة المؤسسات الإنسانية على أداء دورها والوصول إلى المحتاجين، وشدد على ضرورة الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين تعسفياً، وضمان سلامتهم، ووقف أي ممارسات تستهدف العاملين في المجال الإنساني أو تعرقل مهامهم.
وأوضح الدكتور شريف عبد الحميد أن الإشارة إلى هذه القضايا لا تستهدف إصدار أحكام مسبقة أو توظيف العدالة ضمن صراع سياسي، وإنما تهدف إلى التأكيد أن الادعاءات الخطيرة يجب ألا تُترك بلا تحقيق، وأن حقوق الضحايا لا ينبغي أن تخضع لموازين النفوذ أو لمواقف الأطراف الدولية.
وشدد على أن العدالة الحقيقية يجب أن تكون مستقلة ونزيهة وغير انتقائية، وأن تُطبق القواعد القانونية على الجميع دون تمييز بسبب الجنسية أو الانتماء أو الموقع السياسي، فالانتقائية تضعف ثقة الشعوب في المؤسسات الدولية، بينما تمنح العدالة المتسقة والمحايدة الضحايا أملاً حقيقياً في الإنصاف، وتساهم في تعزيز سيادة القانون ومنع تكرار الجرائم.
ودعا رئيس مؤسسة مانديلا المجتمع الدولي والحكومات والمؤسسات الحقوقية إلى تقديم دعم جاد ومستدام لآليات التحقيق والمساءلة، وتعزيز قدرات القضاء الوطني، والتعاون مع الهيئات القضائية الدولية المختصة، إلى جانب حماية الضحايا والشهود والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في المجال الإنساني. كما دعا إلى توثيق الانتهاكات وفق معايير مهنية وقانونية تحافظ على سلامة الضحايا وكرامتهم، وتحمي الأدلة من الضياع أو التلاعب، بما يسمح باستخدامها أمام جهات قضائية مستقلة، ويحول دون تحول معاناة الضحايا إلى مجرد أخبار عابرة.
واختتم عبد الحميد تصريحه قائلًا: " إن العدالة ليست امتيازًا تمنحه موازين القوة، ولا أداة تُستخدم ضد طرف وتُعطل أمام طرف آخر؛ إنها حق أصيل لكل ضحية، وضمانة لكل مجتمع، والطريق الأكثر صدقًا نحو سلام يحفظ كرامة الإنسان ولا يقوم على النسيان أو الإفلات من العقاب".