إدارة المعرفة تعني تنظيم البيانات والمعلومات والخبرات المتراكمة بطريقة تجعلها مفهومة، موثوقة، قابلة للوصول، وقابلة للاستخدام في اتخاذ القرار وخدمة المجتمع. فالبيانات هي المادة الخام، والمعلومات هي البيانات بعد ترتيبها وشرحها، أما المعرفة فهي الفهم الذي يساعد الإنسان أو المؤسسة على الاختيار الرشيد والقرار السليم.
ومن هنا تبدو إدارة المعرفة قضية قانونية وتنموية في وقت واحد؛ لأنها تتصل بحق المواطن في المعرفة، وحماية البيانات، وأمن الفضاء المعلوماتي، وجودة الخدمات، وكفاءة المؤسسات، وبناء اقتصاد قادر على الابتكار لا على تكديس الأوراق والملفات.
الأساس الدستوري: المعرفة حق عام لا ترف إداري
يضع الدستور المصري أساسًا واضحًا لفكرة إدارة المعرفة، لأنه لا ينظر إلى المعلومات الرسمية بوصفها حيازة مغلقة، بل بوصفها حقًا للمواطنين وموردًا من موارد المصلحة العامة. وقد نصت المادة (68) من الدستور على أن: "المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمداً. وتلتزم مؤسسات الدولة بإيداع الوثائق الرسمية بعد الانتهاء من فترة العمل بها بدار الوثائق القومية، وحمايتها وتأمينها من الضياع أو التلف، وترميمها ورقمنتها، بجميع الوسائل والأدوات الحديثة، وفقاً للقانون."
هذا النص لا يقرر حقًا نظريًا فحسب، بل يرسم خريطة كاملة لإدارة المعرفة العامة: إتاحة، وشفافية، وتنظيم قانوني، وحفظ، وأرشفة، ورقمنة، وتظلم، ومساءلة عن حجب المعلومات أو تقديم معلومات مغلوطة عمدًا. والمعنى العملي لذلك أن إدارة المعرفة ليست مجرد برنامج إلكتروني أو أرشيف رقمي، بل هي ثقافة قانونية تجعل المعلومة الصحيحة جزءًا من علاقة الثقة بين المواطن والمؤسسة.
وتكتمل هذه الرؤية بالمادة (31) من الدستور، التي تنص على أن: "أمن الفضاء المعلوماتي جزء أساسي من منظومة الاقتصاد والأمن القومي، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه، على النحو الذي ينظمه القانون." فالمعرفة في العصر الرقمي تحتاج إلى حماية، لأن المعلومة غير المؤمنة قد تتحول إلى مدخل للعبث، والبيان غير المنظم قد يصبح سببًا في الخطأ، والنظام غير المحوكم قد يضعف الثقة بدل أن يعززها.
كما تنص المادة (23) من الدستور على أن: "تكفل الدولة حرية البحث العلمى وتشجيع مؤسساته، باعتباره وسيلة لتحقيق السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد المعرفة، وترعى الباحثين والمخترعين، وتخصص له نسبة من الإنفاق الحكومى لا تقل عن 1% من الناتج القومى الإجمالى تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية. كما تكفل الدولة سبل المساهمة الفعالة للقطاعين الخاص والأهلى وإسهام المصريين فى الخارج فى نهضة البحث العلمى." وهذا النص شديد الأهمية؛ لأنه يربط صراحة بين البحث العلمي والسيادة الوطنية واقتصاد المعرفة، وهي معانٍ تجعل إدارة المعرفة جزءًا من البناء التنموي للدولة الحديثة لا شأنًا فنيًا منعزلًا.
من البيانات إلى المعرفة والحكمة المؤسسية
كثير من المجتمعات تملك بيانات كثيرة، لكنها لا تملك بالضرورة معرفة نافعة. الفارق بين الأمرين هو الإدارة. فكم من ملف محفوظ لا ينتج قرارًا، وكم من رقم منشور لا يشرح واقعًا، وكم من تقرير طويل لا يتحول إلى سياسة مفهومة أو خدمة أفضل. إدارة المعرفة هي الجسر الذي ينقل المجتمع من تراكم المعلومات إلى حسن استخدامها.
وفي الحياة اليومية، تظهر قيمة إدارة المعرفة في أبسط الصور: مواطن يريد معرفة إجراء قانوني صحيح، طالب يبحث عن مصدر موثوق، باحث يحتاج إلى بيانات دقيقة، مستثمر يريد قراءة مستقرة للبيئة الاقتصادية، وصحفي يريد التحقق من رقم أو تصريح. كل هؤلاء لا يحتاجون إلى معلومات كثيرة بقدر ما يحتاجون إلى معلومات دقيقة، محدثة، منظمة، ومفهومة. فالمعرفة التي لا تصل إلى صاحب الحاجة في الوقت المناسب تفقد جانبًا كبيرًا من قيمتها.
ومن زاوية قانونية، تساعد إدارة المعرفة على حماية الحقوق؛ لأن المواطن لا يستطيع أن يمارس حقًا لا يعرفه، ولا يستطيع أن يلتزم بواجب لا يفهمه، ولا يستطيع أن يميز بين الإجراء الصحيح والخطأ إذا غابت عنه المعلومة الموثوقة. وهنا تبدو المعرفة قوة هادئة: لا تصنع ضجيجًا، لكنها تمنع كثيرًا من الارتباك وسوء الفهم والنزاع.
وتكتسب إدارة المعرفة بعدًا خاصًا في المجال العام؛ لأنها تعزز الثقة. فحين يجد المواطن المعلومة واضحة، والمسار مفهومًا، والبيانات متاحة في موضعها الصحيح، تقل مساحة الشائعة، ويضعف أثر التخمين، ويصبح النقاش العام أكثر اتزانًا. الحقيقة المنظمة أقدر على حماية الوعي من ألف رد متأخر على معلومة مضللة.
حماية البيانات وصون الخصوصية في إدارة المعرفة
لا تعني إدارة المعرفة فتح كل شيء بلا ضوابط، ولا تحويل البيانات الشخصية إلى مادة سائبة للتداول. فالقانون يوازن بين الحق في المعرفة وحماية الخصوصية، وبين إتاحة المعلومات العامة وصون البيانات الشخصية. ولذلك صدر قانون حماية البيانات الشخصية رقم (151) لسنة (2020)، ليقرر أن جمع البيانات الشخصية أو معالجتها أو الإفصاح عنها أو إفشاءها لا يكون إلا بموافقة صريحة من الشخص المعني بالبيانات، أو في الأحوال المصرح بها قانونًا، مع تقرير حقوق للشخص المعني، منها العلم بالبيانات الخاصة به، والوصول إليها، وتصحيحها أو تعديلها أو محوها أو تحديثها.
هذا القانون يضع قاعدة أساسية: المعرفة العامة لا تبنى على إهدار الخصوصية. فالمؤسسة الرشيدة تدير المعرفة دون أن تفرط في البيانات الشخصية، وتنتفع من التحليل دون أن تكشف ما يجب ستره، وتستخدم التكنولوجيا دون أن تنسى أن الإنسان هو محور الحماية القانونية. كل إدارة للمعرفة لا تحترم الخصوصية تتحول من أداة تطوير إلى مصدر قلق.
ويتصل بذلك قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (١٧٥) لسنة (٢٠١٨)، الذي يمثل إطارًا مهمًا لحماية البيئة الرقمية من صور الاعتداء على الأنظمة والبيانات والحسابات والمواقع. فالتحول الرقمي لا ينجح بمجرد نقل الخدمة إلى شاشة، بل يحتاج إلى أمن معلوماتي، وحوكمة، وضوابط وصول، ومسؤولية واضحة عن إدارة البيانات وحمايتها.
كما أن قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات رقم (١٥) لسنة (٢٠٠٤) يكشف جانبًا آخر من البنية القانونية للمعرفة الرقمية، إذ يرتبط بإضفاء الحجية والثقة على المعاملات الإلكترونية، وتشجيع وتنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ونقل التكنولوجيا المتقدمة للمعلومات وتحقيق الاستفادة منها. وهذه المعاني تؤكد أن القانون لا يلاحق التكنولوجيا من بعيد، بل يضع لها القواعد التي تجعلها أداة ثقة وتنمية.
إدارة المعرفة والتنمية: من الأرشيف إلى القرار الرشيد
ترتبط إدارة المعرفة ارتباطًا وثيقًا برؤية مصر (2030)، وبمسار التحول الرقمي وبناء اقتصاد قائم على الابتكار. وقد أكدت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في عرضها لاستراتيجية مصر في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أن مهمتها تشمل تمكين تطوير مجتمع قائم على المعرفة واقتصاد رقمي قوي يعتمد على النفاذ المنصف إلى المعرفة، والتمتع بالحقوق الرقمية، وتطوير صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الوطنية التنافسية والإبداعية.
وهذا الاتجاه ينسجم مع جوهر إدارة المعرفة؛ لأن التنمية الحديثة تحتاج إلى مؤسسات تتعلم من خبرتها، وتحفظ ذاكرتها، وتربط بين البيانات المتفرقة، وتستفيد من التكنولوجيا في تحسين الخدمة العامة. فالمؤسسة التي تنسى خبرتها تعيد أخطاءها، والمؤسسة التي لا تنظم معلوماتها تهدر وقتها، والمؤسسة التي لا تحول المعرفة إلى قرار تبقى أسيرة الأوراق لا صانعة للأثر.
وتشير رؤية مصر (2030) في محورها المتعلق بالمعرفة والابتكار والبحث العلمي إلى أهمية بناء مجتمع مبدع ومبتكر ومنتج للعلوم والمعرفة. كما تتصل هذه الرؤية بالتعليم والتدريب، وبجودة المؤسسات، وبالتحول الرقمي، وهي كلها عناصر لا تنفصل عن إدارة المعرفة. فالمعرفة ليست مكتبة على الرف، بل دورة حياة كاملة: إنتاج، وتوثيق، وتحقق، وتصنيف، وإتاحة، وحماية، وتحديث، واستخدام.
وعلى المستوى الدولي، يقدم تقرير اليونسكو العالمي الصادر عام ٢٠٠٥ بعنوان "نحو مجتمعات المعرفة" تصورًا مهمًا لمجتمع المعرفة، يقوم على أن قيمة المعرفة لا تتحقق بمجرد امتلاك المعلومات، بل بقدرة المجتمع على الوصول إليها، وتنظيمها، وإنتاجها، وتداولها، وتحويلها إلى أداة للتنمية الإنسانية والاقتصادية والثقافية. وفي الاتجاه ذاته، جاءت توصية اليونسكو بشأن العلم المفتوح الصادرة عام ٢٠٢١ لتؤكد أن إتاحة المعرفة العلمية يجب أن تتم على أوسع نطاق ممكن، مع احترام القيود المشروعة التي تفرضها حماية حقوق الإنسان، والخصوصية، والسرية، والملكية الفكرية، والبيانات الشخصية. وبذلك تقدم اليونسكو معادلة متوازنة تصلح لإدارة المعرفة في العصر الرقمي: معرفة أكثر إتاحة، ولكن في إطار قانوني يحمي الإنسان والثقة والمصلحة العامة.
وتتلاقى هذه المبادئ مع أهداف التنمية المستدامة، خاصة ما يتعلق بالتعليم الجيد، والصناعة والابتكار والبنية الأساسية، والحد من أوجه عدم المساواة، وبناء مؤسسات فعالة. فكل هدف تنموي يحتاج إلى معرفة دقيقة تقوده، وبيانات موثوقة تقيسه، ومؤسسات قادرة على التعلم من النتائج. التنمية بلا معرفة تتحرك ببطء، والمعرفة بلا قانون تتحرك بلا ضمان.
توصيات عملية: نحو ثقافة قانونية لإدارة المعرفة
تبدأ التوصية الأولى من تبسيط المفاهيم القانونية للمواطنين. فإدارة المعرفة العامة لا تكتمل إذا بقيت النصوص القانونية بعيدة عن فهم الناس. وينبغي أن تتوسع المبادرات الإعلامية والتعليمية في شرح الحقوق الدستورية المرتبطة بالمعلومات والبيانات والبحث العلمي والفضاء المعلوماتي بلغة سهلة ودقيقة، حتى يعرف المواطن أن المعرفة حق ومسؤولية في الوقت نفسه.
وتتمثل التوصية الثانية في ترسيخ عادة التوثيق داخل المؤسسات والأفراد. فالمعرفة تضيع حين تبقى حبيسة الذاكرة الشخصية، أو تنتقل شفهيًا دون تسجيل، أو تحفظ في ملفات متفرقة لا يعرف أحد طريقها. كل جهة، وكل مؤسسة تعليمية، وكل مبادرة مجتمعية، وكل كيان مهني، يحتاج إلى أرشيف منظم، وقاعدة بيانات محدثة، ودليل إجراءات، وسجل خبرات، وآلية مراجعة دورية لما ينتجه من معرفة.
أما التوصية الثالثة فهي تعزيز الثقافة الرقمية القانونية. فالمواطن الذي يستخدم الخدمات الرقمية يحتاج أن يعرف كيف يحمي بياناته، وكيف يميز بين المنصة الرسمية والرابط المضلل، وكيف يقرأ شروط مشاركة البيانات، وكيف يطلب تصحيح المعلومة إذا كانت خاطئة. المعرفة في العصر الرقمي لا تنفصل عن الأمان الرقمي؛ ومن لا يحمي بياناته قد يفقد جزءًا من حقه في الاطمئنان.
وتتعلق التوصية الرابعة بدعم الربط بين الجامعات ومراكز البحث والإعلام والمؤسسات العامة، بحيث لا تبقى الدراسات العلمية حبيسة النشر الأكاديمي، ولا تبقى الخبرة العملية بعيدة عن الباحثين. فالمجتمع يستفيد حين تتحول المعرفة إلى سياسات أفضل، وخدمات أوضح، ورسائل إعلامية أدق، ومناهج تعليمية أقرب إلى الواقع. المعرفة التي لا تعبر من الورق إلى الحياة تبقى ناقصة الأثر.
وتقوم التوصية الخامسة على بناء ثقة مستدامة في مصادر المعرفة. فالمواطن يحتاج إلى مصدر واضح، ومعلومة محدثة، ولغة مفهومة، ومسار محدد للحصول على البيان الصحيح. وكلما زادت سهولة الوصول إلى المعلومة الموثوقة، تراجعت الحاجة إلى التخمين، وضعفت قابلية الشائعات للانتشار، وتحول الوعي العام إلى شريك حقيقي في حماية الاستقرار والتنمية.
وفي الختام، فإن القانون وإدارة المعرفة يلتقيان عند معنى واحد: أن المجتمع القوي هو الذي يعرف، ويفهم، ويحمي ما يعرف، ويستخدم معرفته في البناء والتنمية. فالمعلومة حين تنظم تصبح معرفة، والمعرفة حين يحكمها القانون تصبح ثقة، والثقة حين تتراكم تصبح قدرة على التنمية. وليس المطلوب أن نحفظ المزيد من الملفات، بل أن نصنع من المعرفة ذاكرة واعية، ومن القانون ضمانة للحق، ومن الوعي العام قوة هادئة تدفع الدولة والمجتمع نحو مستقبل أكثر كفاءة وعدلًا واستقرارًا.