ليست المرة الأولى التى يوجه فيها الرئيس الحكومة والجهات المعنية بفتح وتوسيع المجال العام إعلاميا وسياسيا، فقد سبق وأعلن هذا أثناء الدعوة إلى الحوار الوطنى ثم فى 11 أغسطس 2025 خلال اجتماعه مع الحكومة وقيادات المجالس الإعلامية، وجه الرئيس بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام والاستعانة بالخبرات والكفاءات، بما يضمن مواكبة الإعلام الوطنى للتغيرات المتسارعة التى يشهدها العالم، ومنها أهمية إتاحة البيانات والمعلومات للإعلام، والانفتاح على مختلف الآراء، بما يرسخ مبدأ «الرأى والرأى الآخر»، تجددت هذه التكليفات خلال افتتاح الأوكتاجون بما يعنى إدراك واضح لأهمية أن يكون هناك تنوع سياسى وإعلامى يتعامل مع تطورات وتحولات عالمية، لكن اللافت للنظر أنه فى كل مرة تدخل هذه التفاصيل بمسارات تبعدها عن هدفها، وآخر هذه الخطوات كانت لجان تم جمعها من زملاء انتهت لتوصيات لكنها بقيت فى إطار التوصيات.
من هنا نلفت النظر إلى أن عودة وزارة الدولة للإعلام بـ8 تكليفات ثم ما أعلنه الرئيس يضاعف من أهمية أن تتواصل جهود بناء إعلام قوى ومتنوع، وبالمناسبة خلال الشهور الماضية وربما السنوات كان هناك حديث ومطالب وتنظيرات من زملاء كل منهم يقدم نفسه أنه يعرف ما هو مطلوب ومع كل هذا تظل التوصيات داخل مغلفات أو دهاليز اللجان والاجتماعات التى تفقدها فاعليتها وقيمتها، وهناك نوع من الاستسهال لدى عدد لا بأس به ممن يقدمون نظريات أو تصورات لتطوير الإعلام، بينما الواقع لا يحتاج الإعلام إلى تطوير ولكن إلى إعادة ضبط لعناصر متنوعة، والاعتراف بالتحديات التى ظهرت خلال ثلاثة عقود ولم يستطع الكثيرون مجاراته، ثم إن التكنولوجيا سبقت البشر فى بعض الأحيان، وهو ما جعل بعض العاملين فى الإعلام يبالغون فى تعظيم التقنية على حساب القيم المهنية والمحتوى الذى هو البطل الحقيقى لأى منتج إعلامى حقيقى، سواء إخبارى أو أى أنواع أخرى من المنتجات.
تحولات التقنية والنشر ومواقع التواصل فرضت الكثير من التحديات، تفرض على الإعلام المحترف تحديات ومنافسة وفرصا تحتاج إلى إعادة تفكير جماعية فيما يتعلق بالصحافة الحديثة، وهناك مبالغة أحيانا فى استعمال الذكاء الاصطناعى باعتباره منتج محتوى، وليس إحدى أدوات التقنية التى يمكن أن تفيد العمل الصحفى الإعلامى. وليس من مصلحة أحد أن يعادى التكنولوجيا، بل العكس، يجب مصاحبتها والاستفادة منها، حيث إن عالم الإنترنت عموما من بدايته يحمل ميزات عظيمة وأخطارا كبيرة، تنسحب على أدوات التواصل التى تحمل الكثير من الميزات فى نشر وصناعة المحتوى، لكنها تحمل- بجانب ذلك- الكثير من المعلومات المضللة، التى يتعرض لها المستخدمون على مدار سنوات، ضمن تحولات تفرض تقديم محتوى جذاب، والتفاعل بإتاحة، وتوفير المعلومات بالسرعة والدقة اللتين تكونان قادرتين على الإقناع، حتى يتمكن المستخدم من التفرقة بين خبر حقيقى وشائعة، أو بين بوستات سياسية دعائية مباشرة، وأخرى تنشر ببراءة وحسن نية، هى ظاهرة عالمية لكنها تقدم فرصة لإنتاج المحتوى القادر على الصمود فى بحار الشبكة العنكبوتية.
والواقع أننا أمام فرصة لفتح نقاش يشمل كل المجالس والنقابات والمهنة لفرض تنوعا حقيقيا يحتاجه المجتمع بعيدا عن التهوين او التهويل مع المزج بين ما يطلبه العاملون فى الإعلام من مطالب مادية مع متطلبات يفرضها العصر بكل مفرداته لنجد أننا أمام فرصة تستحق أن ننتهزها جميعا لضمان تطبيق قواعد الاختلاف والتنوع وطرح كل القضايا من دون حساسيات مع فتح باب الحوار والنقد وتنوع الآراء بعيدا عن الصراع المصطنع.
على سبيل المثال هناك تيار يتجاهل تراجع وجود الصحافة الورقية لأسباب بعضها تقنى والبعض الاخر مادى باعتبار أن تضاعف تكاليف الإنتاج للصحف الورقية يجعل الاستمرار فى إصدار مطبوعات ورقية لا يقرأها أحد نوعا من الاستنزاف فى المقابل فإن بعض التجارب الحديثة تغرق فى إنتاج ونشر النميمة وتتجاهل المحتوى الخبرى وآراء المجتمع الذى يجب أن يكون ممثلا فى هذا النقاش.
ولعل أهم ما يجب ان تنتبه له المؤسسات هو المعلومات التى هى المادة الخام وقاعدة أى عمل صحفى وإعلامى وإمكانية إتاحة الرأى المتنوع فى برامج وصحف وصفحات فيما يتعلق بأداء الحكومة أو الوزارات وملفات كالتعليم والصحة والإسكان والتوظيف من خلال نقاش يتيح طرح الأفكار من زواياها المتنوعة بل وأيضا التفاعل مع أداء اعداد متزايدة من النواب والنائبات، الذين أصبحوا يظهرون على مواقع التواصل طوال الوقت ويتعاملون كنجوم تأثير وبلوجر بينما يصعب التوصل إلى ما يقدمونه من أفكار بل إن بعض البرلمانيين والبرلمانيات أصبحوا يفضلون طرح آرائهم على مواقع التواصل وليس أمام البرلمان والهدف نسب المشاهدة وليس الأفكار أو المصالح، وهى ظاهرة تفسد شكل النواب وتضيع فرص الطرح الحقيقى لمطالب الجمهور.
كل هذه نقاط تحتاج إلى مناقشة وتفاعل يجعلان قضايا المحتوى والنشر أكثر اتساعا من بعض النظرات الضيقة ونحن أمام فرصة تحتاج أن يستغلها الجميع ضمن توازن حقيقى للمعلومات والآراء.
