الفرحة هذه المرة مختلفة.. فهي فرحة بالمستقبل..!
يوم السبت الماضي تعلقت عيون المصريين بـ"قلب المفاعل" الثاني في محطة الضبعة النووية، أو وعاء الضغط الذي يحتضن بداخله عمليات الانشطار النووي، والمسؤول المباشر عن توليد الحرارة الفائقة التي سيتم تحويلها إلى طاقة كهربائية.
قلب المفاعل هو الجزء الأكثر أهمية هندسيًا وتقنيًا في عمل المفاعل، وتقريبًا – وفقًا لخبراء الطاقة النووية – يمثل نسبة 50 بالمائة أو أكثر قليلًا من إنجاز عملية إنشاء المفاعل وتشغيله، فوزنه يتجاوز 300 طن (بالتحديد 333 طنًا)، وطوله 11 مترًا. والفرحة بتركيبه تعني رسميًا اكتمال الهيكل الأساسي لإنتاج الطاقة في الوحدة الثانية من مفاعلات مشروع الضبعة، التي تضم 4 مفاعلات نووية.
مع اكتمال تركيب وعاء المفاعل الثاني بعد أشهر قليلة من تركيب وعاء المفاعل للوحدة الأولى (ديسمبر 2024)، يؤكد جدية مصر وتمسكها بالحلم، ويعتبر دليلًا واضحًا على مستوى العمل الجاد والسريع للمشروع مع تصاعد المنحنى الإنشائي، وتسارع وتيرة العمل المشترك بين الجانبين المصري والروسي للانتهاء تمامًا من المشروع خلال أقل من 4 سنوات قادمة.
وحسب معدلات الإنجاز والعمل الجاد، يتوقع المراقبون أن يستكمل تشغيل المفاعل الثالث والرابع خلال أقل من عامين، في ظل الطموح المصري الكبير والإرادة السياسية للقيادة المصرية، لتدخل المحطة الخدمة بكامل طاقتها الإنتاجية القصوى قبل 2030، مع التوقعات بتشغيل الوحدة النووية الأولى بالمحطة في عام 2028.
إذن نحن في منتصف الطريق لتحقيق الحلم الذي طال أمده، وانتظرته أجيال وأجيال مع قيام ثورة 23 يوليو 52 وتأسيس الجمهورية الأولى، وهو الحلم النووي الذي راودها منذ خمسينيات القرن الماضي.
تاريخيًا.. حلم الرغبة في امتلاك الطاقة النووية السلمية انطلق عقب مؤتمر جنيف الأول للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، وأنشأت مصر هيئة الطاقة الذرية عام 1955. وبعد ست سنوات افتتحت مركز البحوث النووية في أنشاص، وتم تشغيل أول مفاعل بحثي بقدرة 2 ميجاوات، بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي السابق.
وفي عام 1964 أعلنت مصر عن خطط لبناء أول محطة لتوليد الكهرباء النووية، واختارت مبدئيًا موقع سيدي كرير في الساحل الشمالي أيضًا، لكن الظروف الاقتصادية والسياسية في المنطقة واندلاع حرب 67 أدت إلى تأجيل المشروع.
عاد الحلم النووي مرة أخرى يراود خيال المصريين بعد انتصارات أكتوبر المجيدة في أكتوبر 1973، وتم وضع خطة لبناء محطات نووية بقدرة 10 آلاف ميجاوات بحلول عام 2000، وخصصت منطقة «الضبعة» بعد مفاضلة بين أماكن عدة على سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط.
وشهدت الفترة بين 1983 - 1986 المناقصة الدولية الثانية للمشروع، وتلقت فيها مصر عروضًا من شركات أمريكية وألمانية وسويدية. وكانت مصر على وشك توقيع العقد، لكن كارثة مفاعل تشيرنوبل في أوكرانيا، التي كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي، في أبريل 1986، جمّدت الحلم.
وبعد هدوء المخاوف من المفاعلات النووية السلمية، قررت مصر إحياء برنامجها النووي عام 1999، وفي عام 2007 تم تشكيل هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء كهيئة مستقلة تكون مسؤولة عن تنفيذ وإدارة المشروع النووي. وأعلن الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2008 عن إعادة تفعيل دراسات موقع الضبعة. لكن مرة أخرى تعطّل المشروع بفعل أحداث يناير 2011، قبل أن يعيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إحياء وتبني مشروع تنفيذ البرنامج النووي المصري للأغراض السلمية، بالتوقيع على اتفاق مبدئي مع روسيا عام 2015، على الرغم من التحديات والصعاب الاقتصادية والأمنية والسياسية في تلك الفترة.
ماذا يعني أن تمتلك مصر برنامجًا نوويًا سلميًا..؟
على المستوى الاستراتيجي، فالمشروع طموح لإنتاج الطاقة النظيفة عبر تنفيذ محطة الضبعة النووية. ومصر تراهن على القيمة الاستراتيجية له، وكما سبق وصرح الرئيس السيسي: "فإن المشروع سيضع مصر في موقع ريادي، على خريطة الاستخدام السلمي للطاقة النووية". وتدخل به مصر إلى عضوية «نادي الدول الصناعية الكبرى» التي تستخدم الطاقة النووية لأغراض سلمية، إضافة إلى أنه يأتي في سياق خطة مصر لتنويع مصادر الطاقة ورؤيتها الاستراتيجية لامتلاك الطاقة النووية السلمية.
مشروع الضبعة النووي يتجاوز أبعاده حدود الاقتصاد، إلى السياسة والبيئة والمجتمع.
وبحسب دراسة لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فإن دخول مصر مجال الطاقة النووية هو «خيار استراتيجي»، والضبعة ليست مجرد محطة كهرباء، لكنها تحقق أهدافًا عدة، من بينها «بناء أمن طاقة مصري مستقل نسبيًا عن تقلبات الأسواق العالمية للبترول والغاز الطبيعي، وتحرير جزء من الغاز المصري للتصدير أو الاستخدام الصناعي، خاصة في البتروكيماويات والأسمدة، ودعم الصناعات الثقيلة والتوجه نحو الهيدروجين الأخضر، وتوفير مصدر مستقر للكهرباء على مدى عقود».
فمصر تدخل النادي النووي بطموحات اقتصادية كبيرة، مستهدفة تعزيز أمن الطاقة وتحقيق التنمية، وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، وإحداث نقلة نوعية في مسار توطين المعرفة والاستثمار في الكوادر البشرية. فالمستهدف أن تصل نسبة المكون المحلي من 20 إلى 25 في المائة عند تشغيل المفاعل الأول في 2028، وتزيد إلى 35 في المائة عند تشغيل المفاعل الرابع في 2031، كما ستتولى شركة «روساتوم» الحكومية الروسية تدريب ما يقرب من ألفي شخص من موظفي التشغيل والصيانة للعمل في المحطة.
ويسهم مشروع الضبعة في توفير العملة الصعبة، فالمتوقع أن تبلغ القيمة المضافة للمشروع في الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة الإنشاء نحو 4 مليارات دولار سنويًا، كما يوفر نحو 6 آلاف فرصة عمل أثناء الإنشاء، وآلاف فرص العمل أثناء فترة التشغيل التي تمتد لـ60 عامًا.
نأتي للجدوى أو الفائدة الاقتصادية...
وفقًا للتصريحات الرسمية، فمصر تستهدف الوصول بمساهمة الطاقة المتجددة أو الطاقة النظيفة ضمن مزيج الطاقة إلى نحو 42 في المائة من إجمالي الطاقة بحلول عام 2030. ومفاعل الضبعة يوفر مصدرًا ثابتًا للكهرباء يعمل على مدار الساعة، ما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويضمن استقرار الشبكة. فطوال نصف قرن كان الوقود الأحفوري مصدرًا لنحو 98 في المائة من الطاقة في مصر، لكن الأمر تغيّر منذ عام 2018 مع زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة من الرياح والشمس والهيدروجين الأخضر، مشيرًا إلى أنه «مع اكتمال محطة الضبعة وتشغيل مفاعلاتها قد تسهم في نحو 15 إلى 20 في المائة من الكهرباء في مصر، وتأمين الطاقة المستدامة، فمع اكتمال الوحدات الأربع للمفاعلات، ستنتج المحطة قدرة إجمالية تصل إلى 4800 ميجاوات (بواقع 1200 ميجاوات لكل وحدة)، مما يقلل الاعتماد على الغاز الطبيعي والمازوت».
كما ستؤدي إلى توفير جزء كبير من فاتورة استيراد مصر للوقود الأحفوري، التي تجاوزت 12 مليار دولار العام الماضي.
العائد والفائدة الاقتصادية تمتد إلى مجالات أخرى تتعلق بتحلية مياه البحر وإنتاج النظائر المشعة المستخدمة في عدد من الصناعات الطبية والزراعية.
الفائدة، أو الفوائد الكبيرة للمشروع الحلم، تمتد أيضًا إلى البيئة، فهو يعد مصدرًا نظيفًا وخاليًا تمامًا من انبعاثات الكربون، ويساهم في خفض هذه الانبعاثات بحوالي 15 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، بجانب مساعدة مصر في توطين التكنولوجيا الخاصة بالطاقة النووية، بما يدعم استراتيجية مصر للطاقة 2035.
الحلم أصبح حقيقة وواقعًا بعد انتظار استمر 70 عامًا..!