حازم حسين

حروب الزمن والذاكرة

الثلاثاء، 14 يوليو 2026 02:00 م


لم تسقط حرب الخليج الأخيرة من خارج أُفق التوقُّع، ولا وُلِدَت من عدم. كلُّ المقدمات قادت إليها، بغَضّ النظر عن صاحب القرار.
والأحرى أنها تأخَّرت، فاستفحلت وتعقَّدت خيوطها، بقدر ما تُمثّله من استدراكٍ على خطايا سابقات، وتعويضٍ عن رخاوة سنوات طوالٍ، بما فيها من ارتباكٍ وعشوائيّة وخِفّة واستخفاف ومُواءمات رمادية مشبوهة.

رسم ترامب ملامحها المُبكّرة، وقدحَ شرارتها باغتيال قاسم سليمانى فى ولايته الأُولى. ولولا مَكر الصناديق به، لتقدَّمت المُواجهة عن موعدها بأربع سنوات على الأقل، وستكون مُتأخّرة أيضًا!

يعود التأصيل إلى التآمر الغربى على ثورة مصدّق فى فواتح الخمسينيات، ما مكّن الخمينى بعد ربع القرن تقريبًا من وراثة الشاه، فى غيبة البديل الحداثى، وفى جوّ من الهشاشة المدنية وخلوّ المجال العام تقريبًا.

الانتهازية حرّكت الإدارة الأمريكية وأتباعها، وهيّأت لها مُغريات اللعب بورقة الأُصوليّة الدينية فى الحرب الباردة، باعتبارها خصمًا مبدئيًّا للسوفييت، من بوابة الأيديولوجيا، وصدم الرجعية الدينية بالتقدمية اليسارية!

وليس لأحدٍ فضل فى اشتداد عُود الثورة الإسلامية، وتقوية شَوكتها، قدرَ واشنطن، قصدًا أو اعتباطًا، وبإسنادها أو خلخلة صفوف مناوئيها داخليًّا وخارجيًّا، على الرغم من تسييد سرديّة العداء التاريخى، وتعمُّد وضعها فى الواجهة!

منحَتْها شرعيَّةَ الصمت أوّلاً، ثمّ هالة العداء، ومزايا الصفقة المُشينة فى ملف رهائن السفارة، بمنافعها وما تولّد عنها من شعور بالكفاية والنديّة.
أَمَدّتها بالسلاح فى الحرب العراقية، وسهّلت على «بعث سوريا» أن يُترجم خلافاته مع بغداد فى طهران، والعكس لاحقًا، كما أقرّت وصايتَه على لبنان، فكان مُقدِّمةً لابتلاعه بالكامل.

وُضِعَت بيروت فى عُهدة دمشق، كما لو أنها وديعة مُؤقّتة. أُبرِمَت صفقة تلزيمها للأسد ظاهرًا، وللولىِّ الفقيه من طرفٍ خفىٍّ.
تأسَّس «حزبُ الله» تحت السمع والبصر، وأُفسِح له مجال العمل وقضم البيئة الشيعية، ثمّ أُخلِى البلد كاملاً بعد هجمتى السفارة الأمريكية وثكنة المارينز.
وما جرى فى الشام، تكرّر بحذافيره أو أنكى فى بلاد الرافدين. فأزاح المحافظون غريم الملالى الأوّل، صدّام حسين، وسلّموهم العراق بطوائفه وثرواته وميليشياته ورمزيّته على طبقٍ من ذهب!

والقصد أن المشكلة ليست طارئة، والصدام مُرجأ منذ زمن بعيد، ولن يكون الحل سهلاً أو سريعًا، طالما بقيت التناقضات على حالها، وغاب العجز عن الحسم، ونُحِّيَت القناعة بضرورة المواءمة لأجل التسوية.

العُقدة أكبر من المشروع النووى، ومن مضيق هُرمز وأحواله المُتبدّلة بين الفتح والإغلاق، والهُدنة أقل كثيرًا من أن تكون سببًا للفرح، والقلق أضعاف ما يتراءى لنا على إيقاع الحرب المُتقطّعة، سواء ظلّت محسوبة بدقة أو انفلتت من العِقال.

البيت الأبيض على جُرفٍ هارٍ، ولا عقل له أو بصيرة فى الحقبة الراهنة. سيّده لا يعرف ما يريد، ولا كيف يصل إليه من أيسر الطرق وأسلمها، وخصومه لا يقلّون عنه جنونا واندفاعا، ومُكابرة فى عض الأصابع، والانتظار تحت أشجار المستحيل.

الولايات المُتّحدة إمبراطورية، والجمهورية الإسلامية تطمح أن تكون. وخليط العناوين المُعلنة من جانبها يمتزج فيه العِرقى بالمذهبى، والحاضر بالتاريخ، حتى لا تُعرف بدايته من نهايته، ولا ما يُقبَل لديها أو يُشكِّل ثابتًا وجوديًّا لا يتزحزح.

يستند النظام إلى لونه العقائدى، ويُخبّئ فيه أغراضه القومية، ومن غير المُحتَمل أن يُرخى ستاره أو يُضحّى بالهدف البعيد.
السلاح تفصيلة، إنما الجوهر فى الشعار. والعمامة أصل، ومحاربة الاستكبار، وهدف «تصدير الثورة» التزامٌ بنص الدستور.
وتلك الطبيعة، لا تجعل الخلاف محصورًا فى ترتيب الأولويات بين أجنحة الطبقة الحاكمة، ولا فى تعدّد مستويات النظر للأزمة حربًا وسلامًا.
لدى الصقور قاعدة لن يحفروا الأرض لينزلوا عنها، وفوق الإصلاحيين سقف لا قِبَل لهم بنَقبه أو الخروج من قيده الثقيل!
فلسفة الولاية أنها نيابة عن الغائب، فالمُرشد يستمد الوهج والقداسة من مرجعية غير منظورة. وثمّة طرفٌ خفىٌّ يُحرّك المشهد الآن، أكان مُجتبى بالأصالة، أم آخر يُغيّبه ويحتكر الاسم والصفة.

وكل ما يتوزّع على مرأى الناس حالة مسرحية مُعَدّة بعناية، يختلف فيها الممثّلون ويتّفقون، ويُأخَذ القرار فى النهاية من المُخرج وَمن يُمسك بحبل الستارة ومفاتيح الإضاءة!

الخلاف البَينى على دعايات ومنافع تتستّر بعباءة الإمامة، ومع الآخرين على الترويض والتزام حدود الدولة الطبيعية، وكلاهما خيال محض، ولا سبيل إليه إلا بأن تنقلب الفكرة على نفسها، أو تُقلَب من خارجها.

وما يعمل عليه ترامب، أو الدولة العميقة التى تُرشِده وتُرشِّد اندفاعاته، يتقصّد الاحتواء والإغراء، مع الرهان على التعديل السلوكى تحت ضغط الصراعات الداخلية، وبتسويق بديل أكثر جدوى وأقل إرهاقا.

وذلك، بالتزامن مع تأطير النظام وقصقصة ريشه البعيد، وتضييق الساحة على حرس الثورة وبقيّة الامتدادات البعيدة.
العين على الخليج والمضيق، والسباق الحقّ فى العراق ولبنان واليمن. والأخير يُغالب ظروفه القاسية، ويشتد الخناق فيه على ميليشيا الحوثى، بالسياسة والاقتصاد وتوترات القبائل والحواضر، وإن سُجِّل مؤخّرًا نشاط لطائرات إيران وقادة ميليشياتها المُكلّفين بالأذرع.

طار الزيدى لواشنطن، واستبق الزيارة بحملة على الفساد، مع إغراء الفصائل بتسليم السلاح، والتعهُّد بإنهاء الملف مع موعد جلاء التحالف بنهاية سبتمبر. وإن أفلت من توازنات المصالح والولاءات، فقد يُعبّد بداية مسارٍ يُرَمِّم صدوع العقدين الماضيين.
أمَّا لبنان، فطار وفده المفاوض لجولة سادسة مع إسرائيل، تحضتنها روما على مدار يومين. والحزب رافض، وسادته أيضًا، ويُوجّهونه بالإفساد والاستئساد والتلويح بالحرب الأهلية.

واتفاق الإطار ليس مثاليًّا، وعليه ملاحظات، وفيه ما فيه من سلبيات ومآخذ، إنما لا بديل عنه، وما سار به السائرون إلا بأثر جناية الميليشيا، ولفكّ الدولة من الدويلة، والانفلات من احتلال مُخاتلٍ، لأجل التصدّى للمُحتلّ الصريح.

وبعد أسبوع بالتمام يحط الرئيس عون فى واشنطن، تلبية لدعوة ترامب. ولا يخلو الموعد من دلالة، اتصالا بالزيارة العراقية وجولة التفاوض، ومحاولات افتكاك لبنان من إيران ومسارها المُعقّد.

اتُّخذت البلدان حصونًا، والأذرع دفاعات مُتقدّمة، وما كان عمل ضمير ولا رسالة. لا فارق بين الأصوليَّتين إلا فى العاطفة، ولا بُرء منهما إلا بالعقل.
آفة الإقليم أنه حبيس الماضى، فى أمجاده وهزائمه وعداواته أيضًا، يتشاجر فى الحاضر لا عليه، ويُكرّر خطاياه بإصرار دؤوبٍ مُجرِّبٍ، ووعى فقيه مُقَلِّد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة