محمود عبد الراضى

بيوت بالحب تبوح

الثلاثاء، 14 يوليو 2026 10:54 ص


هل تساءلت يوماً كيف يمكن لرائحة الشاي بالنعناع أن ترمم تصدعات الروح، وكيف لصوت "الست" في العصاري أن يطوي مسافات التعب؟.

في بيوتنا القديمة، لم تكن الأيام مجرد أرقام تُطوى على الورق، بل كانت عهوداً تُطوى بالورق والود، كانت البيوت حية، تتنفس بجدرانها التي شربت ضحكات الصغار ودعوات الكبار، حتى غدت زواياها ملاذاً يفيض بالسكينة، قبل أن تصبح جدران اليوم مجرد كتل صامتة تفصل بين غرباء تحت سقف واحد.

زمان، لم تكن البيوت "شققاً" تتنافس في الضيق والاتساع، بل كانت "شرايين" تفيض بالحب والاجتماع، كان الأمان يسكن "العتبة" قبل أن يدخل "العقبة"، والترابط يصنع قلاعاً من البساطة.

لم نكن نعرف "شاشات اللمس" بل كنا نعرف "لمس القلوب" ومواساة النفوس. وكان "الهاتف" وقوراً يقف متكئاً على رف خشبي في صدر الصالة، لا يرن إلا لجمع شمل، أو لسؤال عن غائب، عكس هاتف اليوم الذي رنّ في جيوبنا فأسكت رنين أرواحنا، وسرق منا متعة "الآن" ليقذفنا في شتات "الافتراض".

أين غاب "طبق الجيران"؟ ذلك السفير الدبلوماسي الذي كان يعبر الحدود الفاصلة بين الشرفات والبيوت بلا تأشيرة، حاملاً لقمة دافئة ومعها قلباً أدفأ، كان يخرج محملاً بـ "عدس الشتاء" ليعود محملاً بـ "كعك العيد"، في تداول إنساني بديع يثبت أن الجار لم يكن جداراً، بل كان جاراً ومجيراً.

واليوم، تربع "الطبق اللاقط" فوق السطوح، يستقبل آلاف الإشارات من وراء البحار، بينما عجزت قلوبنا عن استقبال إشارة واحدة من خلف الجدار.

وحتى "البلكونة"، تلك الفسحة التي كانت رئتنا الثالثة، كيف تحولت من منبر للبوح إلى مخزن للجروح والمهملات؟ في شرفات زمان، كان "إبريق الشاي" يغزل بخاره الأبيض مع خيوط الغروب، وكانت نسمة الهواء تعبر محملة برائحة الياسمين وصوت الراديو المنبعث بصوت جهوري دافئ يذيع نشرة الأخبار أو مسلسلاً إذاعياً، ليلتف الجميع في صمت مهيب، كأنهم في حضرة صلاة تجمع القلوب على حب البساطة.

إن حنيننا لزمن مضى ليس بكاءً على أطلال، بل هو شوق لزمن كان فيه "القليل يقيل" العثرات، وكان "الكثير كاثراً" بالبركة والرضا لا بالرقم والمظهر.

عادات زمان لم تكن مجرد سلوكيات يومية، بل كانت دواءً لوعثاء السفر في قطار الحياة، وتفاصيل صغيرة صنعت بهجة بيوتنا التي تاهت مفاتيحها في زحام المدنية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة