حازم حسين

هيئة الثروة البشرية

الإثنين، 13 يوليو 2026 02:00 م


ما جرى فى الملعب درسٌ، وما قاله الرئيس حافز، وما نحتاجه أن نكون على قدر الأمرين: نستضىء بالأول؛ لنسير فى الآخَر بلا آخِر.
وهُنا أُمسك بطرف الخيط، وأحاول أن أتتبّع الفكرة مدفوعًا بالخيال والطموح معًا!

جميل أن تكون الحفاوة على قدر الحدث، والأملِ أيضًا. يحقُّ للناجح أن يزهو ويحتفل، وعلى المُنصف أن يُقرّ له بالجهد، ويُقدّره، ونستحقُّ جميعًا أن يُستَلهم النجاح ويُشاع، وتكون لنا فيه أُسوة حسنة.

وما حقَّقه المنتخب الوطنى فى كأس العالم كبيرٌ جليل؛ ذلك أنه اقتصَّ من إخفاقات عقودٍ طويلةٍ بأثرٍ رجعىٍّ، وثبّت مُفتَتَح سرديَّةٍ يُمكن أن يُبنَى عليها الكثير فى الحال والاستقبال.

كما أنه بشّر بالقفز بعيدًا، وتعلية سقف الطموح، وبالوصول بنا إلى ما كُنَّا نتمنّاه، ونطويه فى صدورنا جيلاً بعد جيل، فيما لا نعرفُ أننا قادرون عليه بالفعل.
كان الاستقبالُ الرئاسىُّ للبعثة فى «العلمين الجديدة» مُهمًّا، ومُتعدِّدَ الرسائل ومستويات الدلالة، سواء فى الشكل والمضمون، أو ما انطوى عليه من رمزيِّةٍ وحُمولات عاطفيّة بليغة ومُتفائلة.

ولم أرَهُ شخصيًّا مجرّد تكريمٍ لمُمثّلين أحسنوا أداء أدوارهم، ورفعوا راية مصر كما يجب عليهم ويليق بها.
ولا اختزلتُه فى الاحتفاء بسابقةٍ عَزّت علينا طويلاً فى أهم محافل الرياضة قاطبةً؛ إنما لمستُ فيه إشارةً إلى الاهتمام بالرواية والرُّواة معًا، بالفعل والفاعل والاستدامة، وفرصةً يتوجَّبُ أن تُغتَنَم بحقِّها؛ لإطلاق الطاقات الكامنة فى كلِّ المجالات.

إنها لحظةٌ يُمكن أن تكون فاصلاً بين زمنين مُختلفين تمامًا، وأن تُؤَسِّس لوعىٍ جديد فى النظر إلى إمكانات البلد، والاستثمار الكُفء والرشيد فى أثمن ثرواته على الإطلاق.
لنا مكانة تُؤمِّنها الجغرافيا، وتحرسها الديموغرافيا؛ إنما يُمكن أن تُعزّزها وتُضاعف بريقها وعوائدها بقليل من التخطيط والدأب. والتنمية تحتاج إلى سيقان عِدّة؛ لتنتظم فى السير ولا تتعثّر، والناعم الرشيق منها لا يقل قيمة عن الخشن الثقيل.

سجّلت تحويلات المُغتربين أرقامًا قياسية، ويسهل أن تزيد أو تتضاعف. ثروتنا البشرية لم تُستَغَل كما يجب، ولا بأفضل صيغة مُمكنة. اقتصاد المعرفة والمهارات يُمكن أن يعوّض القصور فى مجالات أخرى، وقيمته المُضافة أكبر وأثمنُ.

المواهب منجمٌ لم نفتحه بعد؛ ربما تعثّرنا فى بعض عطاياه المنثورة على الطريق، إنما بالصدفة وليس على أرضية من علمٍ ورؤية، وبأهداف مُتدرّجة صعودًا وشمولاً.
قال الرئيس لأعضاء البعثة كلامًا كثيرا، فيه الخاص والعام، وما يتباسط به معهم أو يوجه رسائل من خلالهم؛ وأهم ما سمعته على الإطلاق مسألة البحث عن الجواهر فى مكامنها البعيدة.

والدعوة اتّجهت بوضوح إلى ما أسماه «كشّافين مُتجرّدين». وأحسبُ أننا لا نفتقد مهنة الكشّاف؛ فلعلّ القصور فى غيبة التجرُّد. وقد شُفِعَت الإضاءة المُهمة بالمنطق؛ إذ لا يخلو شعب المائة والعشرين مليونًا من صلاح آخر، بل مائة وألف.
وأتفق مع السيسى فى نقطة المُدرّب الوطنى؛ ليس لأننا امتلكنا ذُروة الأمر، أو حتى ما يقول به البعض عن توفير النقد الأجنبى، ولكن لأن التوطين بوّابة للإنتاج والتصدير والمُنافسة الحقّة.

وبجانب المُعايشة هنا، والاستفادة بخبرات المُدربين الأجانب فى الأندية. يُمكن إيفاد المُؤهّلين للاستزادة بالخارج، وتأسيس أكاديميات نستعين فيها بخبراء محليين ودوليين، بالتوازى مع توسيع قاعدة اللاعبين.

وما تعدنا به الرياضة، لن تُقصّر فيه الثقافة والفنون والتعليم وغيرها. ولدى كل تلك القطاعات إمكانات لا حصر له، وبقليل من الرعاية ستصبح مفرخة للطاقات المُبدعة، وماكينة إنتاج تدور بلا هوادة، ومُولِّدًا مُستدامًا للدَّخل أيضًا.

وهنا أصل إلى الفكرة التى تقصَّدتُ طرحها من البداية. فالعمل المطلوب يزيد على طاقة نادٍ أو وزارة، ويتطلَّب عقلاً مؤسَّسيًّا، وفلسفة واحدة واضحة، وآلية عمل مُستقرّة ومُنتظمة، مع آليات للمتابعة والرقابة وقياس الأثر.

ومن الصعب أن تُجمَع الوزارات المعنيّة معًا إلى طاولة واحدة، وإلى جوارها الأندية والجامعات وشركات الإنتاج والمسارح وغيرها؛ إنما يُمكن ابتكار مظلّة تتلاقى كل الجهات تحتها، وتكون يدًا لها جميعًا، ودماغًا مُشتركًا يُنظم جهدها وطاقاتها، ويتلقّى إشاراتها، ويُلبّى مطالبها على وقتها.
وما أدعو إليه؛ أن نستحدث جهةً تختص بالثروة البشرية، تكون بصيغة الجهاز المركزى، أو كهيئة ذات طبيعة خاصة، تستفيد بمزايا الاستثناء من الأُطر القانونية الضيّقة، وتتمتّع بالاستقلال المالى والإدارى واللائحى.

وللمؤسَّسة المُقترَحة؛ أن تُنشئ شركات وأذرعًا تابعة، تتولّى مهام اكتشاف ورعاية المواهب من خلال الأكاديميات والأندية النوعية، وفق مسارات تربوية وتأهيلية تُعَدّ من خلال خبراء، وتُنفَّذ من خلاله مُباشرة، أو بالتنسيق مع الجهات الرسمية والأهلية.

ويُمكن أن يتفرّع العمل فى اتجاهين: الأول تنفيذى تضطلع فيه بأدوار عملية، تنتقى فيه العناصر وتصقل مهاراتهم وتُسوّقهم، والثانى إشرافى تكون فيه بمثابة المرجعية التنظيمية، وبيت الخبرة، وجهة الرقابة وتوحيد المعايير.

وفى سبيل ذلك؛ فإن لها أن تتواصل مع كل الأطراف، وأن تُراقب أداءها فيما يخص قطاعات الموهوبين والناشئين فى كل المجالات، مع صلاحيات إجرائية للتصويب أو ضبط القصور، وصولا إلى وضع الجهة غير المُلتزمة تحت إشرافها المُباشر.

سيكون الجهاز أو الهيئة رافعةً ضخمة، توفر مددًا لا ينفد من الطاقات، وتستكشف مهارات النشء وتُوجّههم فى الاتجاه الصحيح، وتُضاعف عوائد القوّة الناعمة معنويًّا وماديًّا، وتفتح بابًا لإنتاج وتصدير الصناعات الثقافية والمعرفية وذوى القدرات العالية والمهارات الرفيعة وإنتاجاتهم فى كل المجالات.
وسيقودنا التنفيذ إلى المعرفة، والإحاطة بالخصائص السكانية، والمزايا النوعية جغرافيا وقطاعيًّا، بل سينعكس الأمر فى تحسين مؤشرات التنمية، وآليات تخصيصها بحسب المكان والسكان وحاجاتهما معًا.

لدينا أجهزة شتّى، ومؤسّسات تختص بكل مجال؛ إلا كنزنا البشرى المُوزّع بين الجهات. إنها ثروة حقيقية، مُستغلّة جزئيًّا، وما يُهدَر منها أكبر.
وإفراد جهة للعناية بكنوزنا الإنسانية، والتركيز على كل بصمة فردية منها؛ سيعود على البلد كله بنفعٍ أكبر، فى التنمية والاقتصاد، وفى التربية والتوعية والإصلاح المجتمعى، وخَلق القدوة، وزراعة الأمل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة