خالد دومة يكتب: جسور التربية

الإثنين، 13 يوليو 2026 12:14 ص
خالد دومة يكتب: جسور التربية خالد دومة

يريد كثير من الآباء أن يصنعوا من أبنائهم نسخًا مكررة منهم؛ تحاكيهم في طريقة العيش، والعمل، والتفكير، وأن تفرز عقولهم الأفكار نفسها التي تلقوها عن آبائهم. غير أن التربية ليست صناعة نسخ متشابهة، وإنما هي بناء إنسان قادر على أن يفكر بنفسه. فإذا اقتصر دورها على التلقين، فإنها تصيب العقل في مقتل، وتمحو شخصيته، وتخرج إلى المجتمع أفرادًا مقلدين لا يملكون القدرة على الإبداع أو الاختيار.

ولماذا يصر كل جيل على أن يحاكم الجيل الذي يليه بالمعايير نفسها التي حكمت حياته، وكأن الزمن لا يدور، والوسائل لا تتغير، والإنسان آلة لا عقل له ولا مشاعر؟ إن اختلاف الأجيال سنة من سنن الحياة، بل إن سرعة التغير في عصرنا جعلت الفارق بين جيل وآخر لا يقاس بعشرات السنين كما كان في الماضي، وإنما قد يظهر خلال بضع سنوات فقط. فما كان جديدًا بالأمس قد يصبح قديمًا اليوم، وما نتعلمه الآن قد يحتاج إلى مراجعة بعد سنوات قليلة.
ولهذا فإن غياب الحوار بين الأجيال يوسع الهوة بينها، حتى يصبح كل طرف غريبًا عن الآخر. وما أحوجنا إلى إقامة جسور متينة من الفهم والاحترام المتبادل، دون أن نفرط في القيم الثابتة التي لا تتغير بتغير الأزمنة؛ كالصدق، والأمانة، والرحمة، وتحمل المسؤولية، واحترام الإنسان.
ومن أهم ما ينبغي أن تقوم عليه التربية تنمية الاستقلال في التفكير، حتى لا يكون الابن عالة على غيره، ولو كان أباه أو أمه. فالمربي الناجح لا يصنع تابعًا، بل يصنع إنسانًا حر العقل، قادرًا على اتخاذ قراراته وتحمل نتائجها.
كما أن التربية لا تقوم على الكلمات وحدها، وإنما على القدوة الصادقة. فكثيرون يجيدون إلقاء النصائح، ولكن سلوكهم يناقض أقوالهم، فينشأ الأبناء على هذا التناقض، لأنهم يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه. فالطفل لا يحفظ وصايا والديه بقدر ما يحفظ أفعالهما، والقدوة الصالحة أبلغ أثرًا من آلاف المواعظ.
ولهذا يبقى البيت، ممثلًا في الأب والأم، المدرسة الأولى التي تغرس الضمير، وتصوغ العادات، وتبني الشخصية، قبل أن تؤثر فيها المدرسة أو الشارع أو وسائل الإعلام.
وليست التربية الصحيحة قائمة على الشدة أو الضرب؛ فالقسوة قد تفرض الطاعة مؤقتًا، لكنها لا تصنع إنسانًا سويًا، وغالبًا ما تترك في النفس آثارًا لا تزول. وإنما تقوم التربية على الحوار، والاحتواء، ومساعدة الطفل على اكتشاف ميوله، وتنمية مواهبه، وتشجيعه على أن يكون نفسه، لا أن يكون صورة باهتة ممن سبقوه.
إننا كثيرًا ما نخطئ حين نفكر نيابة عن أبنائنا، ونسعى إلى تحقيق أحلامنا من خلالهم، متجاهلين رغباتهم واستعداداتهم. فنحن بذلك لا نحميهم، بل نقيدهم بقيودنا، ونلبسهم أثواب الجمود، في حين أن العالم من حولهم لا يتوقف عن الحركة لحظة واحدة. ومن حُرم حرية الاختيار حُرم فرصة التعلم؛ فالخطأ الذي يكتشفه الإنسان بنفسه قد يكون معلمه الأكبر، ما دام يجد من يرشده ويعينه على النهوض بعد عثرته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة