محمود عبد الراضى

سيمفونية المهن التي أخرسها قطار التطور

الأحد، 12 يوليو 2026 10:55 ص


 


في زمن مضى ولم يغادر الوجدان، كانت الحارة لا تنام على صمت، ولا تستيقظ على ضجيج أعمى؛ بل كانت تفتح عينيها على سيمفونية بشرية منغمة، تعزفها حناجر رجال غزلوا من لقمة العيش أغنية، ومن السعي في مناكب الأرض نداءً يأسر القلوب قبل الآذان.

اليوم، غابت تلك الأصوات، وانزوت بعض المهن خلف جدار النسيان، لتترك الشوارع غارقة في صخب تكنولوجي بلا روح، وتصحر سمعي يفتقد شجن الأيام الخوالي.

من منا ينسى "بائع العرقسوس"؟ ذلك الفنان الذي يحمل على ظهره "القدرة" اللامعة، وفي يده "الصاجات" النحاسية التي يضربها ببراعة ليسبق نداءه الأثير: "شفا ودوا.. ويا معوض الصابرين"، فيبل الريق قبل السائل.

وعلى مقربة منه، كان يدور "مبيض النحاس" في فلك البيوت، ليعيد لأواني المطابخ بريقها الآفل، محيلاً بناره وقصديره العتمة ضياءً والصدأ صفاءً، وكأنه يغسل قلوب البيوت من همومها.

ولم تكن لوحة الصباح تكتمل دون "السقا"، ذلك الرجل الذي كان يحمل الحياة على كتفه في "قِربة" من جلد، يطوف بها الأزقة ليطفيء ظمأ القلوب والأبدان، قبل أن تجف قِربته أمام زحف صنابير المياه الحديدية الباردة.

وفي المساء، كان يطل "المسحراتي" بطبلته وصوته الجهور ليوقظ النائمين، ومعه "النداء" الأثير الذي تحول بمرور الأيام من طقس يومي في بعض القرى إلى مجرد ذكرى موسمية تكاد تختنق.

وفي زوايا الحارة، كان "المكوجي برجل" يقف كقائد أوركسترا، يحرك مكواته الثقيلة بقدمه مستخدماً وهج الفحم بحرفية هندسية، ليجعل الثياب تنطق هيبة، قبل أن تسحب البساط منه المكواة الكهربائية السريعة.

وإذا ما انقطع زر أو تمزق ثوب، كان "الرفا" هو الساحر الخفي الذي يعيد نسيج القماش سيرته الأولى بخيوط سحرية وإبرة دقيقة، مهنة ماتت بموت زمن "القطعة الغالية" والترميم، وحل محلها عصر الاستهلاك الجاهز والسريع.

ولا يمكن للذاكرة أن تغفل "المنادي" الذي كان بمثابة نشرة الأخبار المتنقلة وصوت الحارة الرسمي قبل عصر الشاشات والإنترنت.

رحلت هذه المهن ولم ترحل ذكراها، وماتت الأصوات وبقي صداها يتردد في أزقة الذاكرة.

غادرتنا تلك الأجساد والنبرات لتذكرنا بأننا لم نخسر مجرد باعة ومقدمي خدمات، بل خسرنا فصلاً من كتاب الطيبة الإنسانية، ولحناً دافئاً لن تعزفه آلات الحداثة الصماء مجدداً.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة