في الثاني عشر من يوليو عام 1109، سقطت مدينة طرابلس على ساحل الشام في أيدي الصليبيين بعد حصار استمر سبع سنوات، في واحدة من أطول عمليات الحصار خلال الحروب الصليبية. ولم يكن سقوط المدينة مجرد خسارة عسكرية، بل مثّل نقطة تحول في خريطة المشرق، وأدى إلى قيام إمارة طرابلس الصليبية، كما انتهى بكارثة ثقافية تمثلت في إحراق إحدى أعظم مكتبات العالم الإسلامي آنذاك.
سبع سنوات من المقاومة
بعد نجاح الحملة الصليبية الأولى في الاستيلاء على القدس وعدد من مدن الساحل، اتجهت أنظار قادتها نحو طرابلس، التي كانت تحت حكم فخر الملك ابن عمار، أحد أبرز حكام المدينة.
وأظهر ابن عمار وأهالي طرابلس مقاومة شرسة، إذ تمكنوا من الصمود سبع سنوات كاملة رغم الحصار البحري والبري، وهو ما جعل المدينة من أكثر المدن الإسلامية استعصاءً على الصليبيين في تلك المرحلة.
وكان الكونت ريموند دي سان جيل أول من فرض الحصار على المدينة، وأقام بالقرب منها حصنًا عرف باسم قلعة الحجاج ليكون قاعدة عسكرية لتشديد الخناق عليها، قبل أن يواصل خلفاؤه المهمة حتى سقوطها.
العزلة تحسم المعركة
بحسب الدراسات التاريخية، لم يكن ضعف مقاومة طرابلس هو سبب سقوطها، وإنما عزلتها عن بقية العالم الإسلامي. فقد اشتد الحصار، بينما لم تصل إليها إمدادات كافية من القوى الإسلامية الكبرى، سواء من بغداد أو القاهرة، في وقت وصلت فيه تعزيزات بحرية ضخمة من أوروبا لدعم القوات الصليبية.
ومع نفاد المؤن وتدهور الأوضاع داخل المدينة، أصبحت المقاومة شبه مستحيلة، لتدخل طرابلس مرحلة المفاوضات.
اتفاق التسليم
تذكر المصادر أن والي طرابلس ابن أبي الطيب الفاطمي تفاوض مع الملك بلدوين الأول، ملك القدس، على تسليم المدينة مقابل منح السكان الأمان.
ونص الاتفاق على السماح للراغبين في مغادرة المدينة بالخروج بما يحملونه من متاع، بينما يبقى من يختار الإقامة مقابل دفع ضريبة سنوية، كما سُمح للحامية العسكرية بالانسحاب إلى دمشق.
وفي 12 يوليو 1109 دخل الصليبيون المدينة، والتزم بلدوين في البداية ببنود الاتفاق، فلم يأمر بعمليات قتل أو تدمير واسعة.
الجنويون يحرقون مكتبة بني عمار
لكن الأحداث خرجت سريعًا عن السيطرة، إذ اندفع الجنود والتجار الجنويون، الذين شاركوا في الحصار، إلى داخل المدينة بحثًا عن الغنائم، فبدأت أعمال النهب والقتل وإحراق المنازل، قبل أن تتمكن القيادة الصليبية من السيطرة على الموقف.
وكانت أكبر خسائر المدينة ثقافيًا احتراق مكتبة بني عمار، التي كانت تُعد من أشهر مكتبات العالم الإسلامي في ذلك العصر، وضمت آلاف المخطوطات في العلوم والطب والفلسفة والفقه والأدب، لتضيع معها ثروة علمية هائلة يصعب تقديرها.
قيام إمارة طرابلس
أدى سقوط المدينة إلى تأسيس إمارة طرابلس الصليبية، لتصبح رابع الإمارات الصليبية في المشرق بعد الرها وأنطاكية والقدس، وظلت قائمة قرابة 180 عامًا حتى استعادها السلطان المملوكي المنصور قلاوون عام 1289.