في الحادي عشر من يوليو عام 1971، اتخذت تشيلي واحدًا من أهم القرارات الاقتصادية والسياسية في تاريخها الحديث، عندما صادق الكونغرس بالإجماع على تعديل دستوري يقضي بتأميم مناجم النحاس، بناءً على مبادرة الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي، في خطوة هدفت إلى استعادة السيطرة على أهم ثروات البلاد بعد عقود من هيمنة الشركات الأمريكية عليها.
النحاس.. ثروة تحت السيطرة الأجنبية
كان النحاس يمثل العمود الفقري للاقتصاد التشيلي، إلا أن إنتاجه كان خاضعًا لسيطرة شركات أمريكية كبرى، أبرزها أناكوندا وكينيكوت، التي حققت أرباحًا ضخمة من المناجم التشيلية، بينما ظلت نسبة كبيرة من الشعب تعاني الفقر والتفاوت الاقتصادي.
وقبل وصول أليندي إلى الحكم، بدأت الحكومات التشيلية في الستينيات سياسة عُرفت باسم "التأميم التشيلي"، والتي سمحت للدولة بشراء حصص من الشركات الأجنبية، لكن أليندي رأى أن الحل الحقيقي يكمن في نقل الملكية كاملة إلى الدولة.
قرار تاريخي بالإجماع
في 11 يوليو 1971، وافق الكونغرس التشيلي بالإجماع على تعديل دستوري يمنح الدولة السيادة الكاملة على مناجم النحاس، باعتبارها موردًا استراتيجيًا لا يجوز أن يبقى تحت سيطرة الشركات الأجنبية.
وبررت الحكومة القرار بأن تلك الشركات حققت على مدار سنوات طويلة "أرباحًا زائدة" من استغلال الثروة الوطنية، ولذلك جرى احتساب التعويضات بعد خصم هذه الأرباح، وهو ما رفضته الشركات الأمريكية بشدة.
صدام مع الولايات المتحدة
أثار القرار غضب الولايات المتحدة، التي رأت في التأميم تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية في أمريكا اللاتينية، خاصة أن أليندي وصل إلى السلطة ببرنامج اشتراكي يقوم على توسيع دور الدولة في الاقتصاد.
وتشير العديد من الدراسات والوثائق التي كُشف عنها لاحقًا إلى أن واشنطن مارست ضغوطًا اقتصادية واسعة على تشيلي، من خلال تعطيل القروض الدولية وتقليص الدعم المالي، إلى جانب مساندة قوى المعارضة الداخلية، في محاولة لإضعاف حكومة أليندي.
من التأميم إلى الانقلاب
ساهمت الأزمة الاقتصادية والاستقطاب السياسي الداخلي، إلى جانب الضغوط الخارجية، في تصاعد التوتر داخل البلاد، حتى وقع الانقلاب العسكري في 11 سبتمبر 1973 بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه، الذي أطاح بحكومة أليندي، لتنتهي واحدة من أبرز التجارب الاشتراكية المنتخبة ديمقراطيًا في أمريكا اللاتينية.