وصلت بعثة منتخب مصر إلى مطار العلمين الجديدة، عقب انتهاء مشاركتها فى كأس العالم 2026، حيث استقبلت المدينة اللاعبين بجولة عبر حافلة مكشوفة، وسط توافد الجماهير للمشاركة فى الاحتفال بما قدمه الفراعنة خلال البطولة.
يحمل اختيار العلمين لاستقبال المنتخب معنى يتجاوز موقع المطار أو مشهد المدينة الساحلية، فهذه البقعة المطلة على البحر المتوسط تحمل واحدة من أشهر صفحات التاريخ العسكرى فى القرن العشرين، ثم دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة صنعت منها مدينة للسكن والسياحة والثقافة والفعاليات الكبرى.
وهكذا ينتقل المنتخب المصرى من ملاعب المونديال إلى مكان ارتبط اسمه فى الذاكرة العالمية بالمواجهة والصمود والتحول، قبل أن يعيد تقديم نفسه اليوم بوصفه مدينة للحياة.
العلمين.. بوابة مصر الغربية
تقع العلمين على الساحل الشمالى الغربى لمصر، فى موقع منحها أهمية استراتيجية خلال الحرب العالمية الثانية. فقد امتدت معارك الصحراء الغربية على مساحة واسعة بين الإسكندرية وبنغازي، وكان الصراع يدور حول السيطرة على البحر المتوسط، وحماية قناة السويس، وطرق الإمداد ومصادر النفط فى الشرق الأوسط.
خلال يوليو 1942 شهدت المنطقة معركة العلمين الأولى، حين أوقفت قوات الجيش الثامن تقدم قوات المحور بقيادة إرفين رومل، ومنعتها من الوصول إلى الإسكندرية والقاهرة. استمرت المعركة من الأول حتى 27 يوليو، وأصبحت العلمين عندها خط الدفاع الذى حافظ على الطريق المؤدى إلى قلب مصر.
وجاءت معركة العلمين الثانية بين 23 أكتوبر و4 نوفمبر 1942، لتشكل نقطة تحول فى حملة شمال أفريقيا. حقق الجيش الثامن انتصارًا دفع القوات الألمانية والإيطالية إلى التراجع غربًا عبر ليبيا، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الحرب فى المنطقة.
مدينة تحمل ذاكرة العالم
بقيت آثار الحرب جزءًا من هوية العلمين. وتضم مقبرة الكومنولث أكثر من 7200 قبر لجنود لقوا حتفهم خلال حملات الصحراء الغربية، إلى جانب نصب تذكارى يحمل أسماء آلاف المفقودين الذين لم تُعرف لهم قبور. وتكشف هذه المقابر عن تنوع الجنسيات التى شاركت فى الحرب، من بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا والهند وجنوب أفريقيا ودول أخرى.
كما يحتفظ متحف العلمين العسكرى بوثائق وأسلحة وخرائط تروى تاريخ المعارك، وتحول المنطقة إلى مساحة مفتوحة لقراءة واحدة من أكثر مراحل الحرب العالمية الثانية تأثيرًا.
ويمتد تاريخ المنطقة إلى زمن أقدم، حيث تضم مارينا العلمين آثار مدينة ساحلية من العصرين اليونانى والروماني. وقد أعلنت بعثة أثرية مصرية خلال يوليو 2026 اكتشاف 18 مقبرة جديدة، إلى جانب توابيت وأوانٍ وتمائم وقطع أثرية تكشف جوانب من الحياة والعادات الجنائزية فى المدينة القديمة.
من أرض المعارك إلى مدينة للحياة
بدأ مشروع العلمين الجديدة مرحلة عمرانية مختلفة على مساحة تزيد على 48 ألف فدان، لتضم مناطق سكنية وسياحية وثقافية وتعليمية وبحثية، إلى جانب الجامعات والفنادق والمراكز الخدمية. وأصبح الموقع أحد المراكز الرئيسية على الساحل الشمالى الغربي، مع حضور متزايد للفعاليات الفنية والثقافية والرياضية.