خالد دومة يكتب: صورة مشوهة

الجمعة، 10 يوليو 2026 11:23 م
خالد دومة يكتب: صورة مشوهة خالد دومة

إنها صورةٌ مشوهةٌ لنفسٍ جاءت إلى الدنيا، ولا تدري ما الذي أصابها، ولماذا أصابها. لم تكن تعلم ما يخطه لها القدر من ألمٍ يمتد طوال أيامها، ولم تعرف بأي ذنبٍ تلقى ما تلقاه. كانت صفحةً بيضاء، فلوثتها أقلام الآخرين وأيديهم، من غير أن يكون لها يدٌ فيما أصابها منهم.


كل ما في الأمر أنها استحت، وظنت أن ما يحدث ليس عن قصد، أو أن نيةً طيبةً دفعتهم إلى رسم تلك الدوائر التي تحولت مع الأيام إلى حبالٍ تلتف حول عنقها. وكلما ركلتها الأقدام، ابتسمت ورحلت بعيدًا، فازدادت الركلات والطعنات، حتى تهلهل الجسد الصغير من كثرتها.


نظرت حولها، فإذا بكل شيء يلعنها، وتتساءل في صمت: لماذا؟ فلا تجد جوابًا، سوى كلماتٍ تفتُّ من عضدها، وتقتل الأمل في فؤادها النقي.


ظلت سنواتٍ طويلة تبحث عن سببٍ لكل ما أصابها، لكنها لم تجد. طرقت كل الأبواب التي أُغلقت في وجهها، فلم يستجب لها أحد. وأصبحت منبوذةً من كل العيون التي تقع عليها.


صرخت في المرآة التي تعكس صورتها، لعل وجهها القبيح هو ما يجعلهم يطاردونها باللعنات. لكن لها قلب طفل، والدمامة ليست للإنسان يدٌ فيها؛ هكذا خُلق. وهناك من هم أشد دمامةً منها، فما بالها هي وحدها من تتلقى الصفعات والضربات؟


لم تؤذ أحدًا. كانت دمثة الخلق، قوية العاطفة، تحب حتى النخاع. وما من أحد إلا وكان له نصيبٌ من طعنها، حتى أقرب المقربين إليها؛ فلم تخلُ أيديهم من أثر دمها. ومن سذاجتها كانت تمسح الدم عن أيديهم، ولم تكن تعلم أنه دمها هي. لم تشك لحظة، ولم يطرأ على خاطرها شيء من ذلك.
وكانت، فيما بينها وبين نفسها، تبكي بكاء الثكلى؛ لأنها لا تدري. كانت تود لو تعرف لماذا، ولو عرفت لتغيرت إن أرادوا. لكنهم كانوا يبخلون عليها حتى بالسبب، ويكتفون بضربها وطعنها، وأفواههم تضحك ساخرة. وكانت تضحك معهم، لأنها تجهل أن ضحكاتهم كانت احتفالًا بطعنها، وأنها هي الأخرى، في سذاجتها، لا تدري.
لم تعفها الحياة من الألم، ولم تعفها من الحبائل التي كانت تلتف حول عنقها بلا سبب. واستسلمت لجهلها، وانتشرت عليها المساوئ حتى أخفت ملامحها بالطين، وغمرت نظرتها أسًى لا ينقطع.
جرفتها الأيام إلى براكين أذابت منها كل شيء، فغدت طللًا مرجومًا بحجارة القسوة، بلا معنى، ولا عدل، ولا حكمة.
لم تستطع أن تعود إلى قلبها القديم. دفنوه، وألقوا به في جبٍّ عميق، وتخلصوا من نبضه إلى الأبد. ولم تعد، بعد كثرة التجوال واليأس، تبالي بشيء. ركنت إليهم، واستسلمت لأهوائهم، وضاعت في الطريق. تاهت لأنهم أرادوها أن تتيه بلا عودة.
أسندت رأسها إلى حافة البركان، واستغرقها النوم. ولم يعد يؤرق صفحة قلبها الراحل، ولا عينيها المغمضتين، شيء. فالتمست الظلام... وكان ما أرادت.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة