محمود عبد الراضى

لغة مشفرة.. أولادنا يتحدثون الغربة

الثلاثاء، 09 يونيو 2026 12:05 م


كان الآباء في الماضي يخشون على أبنائهم من رفقاء السوء، أما اليوم فأصبحوا يخشون من "مصطلحات السوء" التي لا يفهمون منها حرفاً.

تجلس في بيتك، آمنًا مطمئناً، لتجد ابنك المراهق ينظر إليك قائلاً بنبرة واثقة: جملا لا تفهمها، فتهز رأسك بالموافقة وأنت تنظر لزوجتك في رعب، متسائلاً إن كان ابنكما يتحدث العربية أم أنه يلقي عليك تعويذة سحرية من العصور الوسطى.

إننا نعيش اليوم زمن "فجوة المصطلحات"، حيث يبدو أن جيل (ألفا وزد) قد قرر الانفصال تشريعياً ولفظياً عن قاموس الأبوة، ليخلق لغة مشفرة تجعل الحوار العائلي أشبه بـ "حوار طرشان" في صالون المنزل.

المفارقة الساخرة هنا، أن هذه الكلمات ليست مجرد "موضة لغوية" عابرة، بل هي جدار عازل يُبنى بدم بارد بين جيلين، تحول التواصل من "صلة" إلى "صدمة"، وصار الأب الذي أفنى عمره في قراءة دواوين الشعر وفنون الصحافة، يقف عاجزاً، "أميّاً"، أمام طفله الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة.

اللفظ الذي كان يحمل معنى الوقار تبدل، والدلالات تشقلبت؛ فالشخص الجاد أصبح "توكسيك"، والمواقف الـمُحرجّة صارت "كرينج"، والإعجاب بالآخر تحول إلى "كراش".

لقد نجح هذا الجيل الرقمي في إعادة صياغة العالم وفقاً لـ "خوارزميات" خاصة به، تاركاً الآباء في مقاعد المتفرجين، يحاولون جاهدين استخدام هذه الكلمات في مواضع خاطئة، ليمارس الأبناء عليهم أقصى درجات السخرية والنظرات الشامتة.

لكن خلف هذا الستار الساخر، تقبع حقيقة إنسانية موجعة؛ فاللغة هي جسر المشاعر، وحين يتحدث الأبناء لغة لا يفهمها الآباء، تصبح العاطفة محبوسة في منطقة الترانزيت.

يبدأ الحظر اللغوي في التحول إلى جفاء اجتماعي، حيث يفضل المراهق الصمت أو اللجوء لأصدقائه في الفضاء الأزرق، بدلاً من الدخول في عناء الشرح والتفسير لـ "رجل الكهف" القابع في الصالة، والذي يمثله الأب من وجهة نظره.

لقد تحولت البيوت من ساحات لتبادل الخبرات، إلى جُزر معزولة يتحدث كل منها بلسان قومه، وضاع معها التوجيه والإنصات الحقيقي الذي تبنى به الأسر.

إنها دعوة للآباء ألا يرفعوا الراية البيضاء، وألا يقابلوا هذه "الشفرات" بالتهكم أو العصبية، بل بقليل من الذكاء العاطفي، نحتاج أن نتسلل إلى قواميسهم، لا لنصبح مثلهم، بل لنفهم ما يدور في عقولهم، ونحتاج في المقابل أن نذكرهم بأن لغتنا العربية والأم، بدفئها ورصانتها، تتسع لكل مشاعر الكون دون الحاجة لاختصارات كيميائية.

فلنحاول فك الشفرة بالحب قبل أن تصبح الغربة داخل البيت الواحد أمراً واقعاً، ونكتشف أننا ربّينا غرباء يتحدثون لغة لا تشبهنا في شيء.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة