«لقد أطلقتكم صواريخكم، كفى، وعودوا إلى الطاولة لإبرام اتفاق».. قالها ترامب بأريحية وبرود أعصاب، وكان تعليقه على الضربة الإيرانية لإسرائيل غريبًا، ما يفتح الباب لافتراض شىء من التنسيق، أو الإخطار وسَبق المعرفة.
افتتحت الهُدنة شهرها الثالث، أمس، ولا تزال الأوضاع مُجمّدة عند نقطة الصفر الأولى. ولا يبدو أن واشنطن بصدد تحريك الميدان، ولا أن طهران قريبة من التسليم بالهزيمة، وكلاهما يبحث عن مخرج.
وإذا كانت ساعات ما قبل الفجر أشدّ ظلاما من سواها، ولا ينكسر المنحنى إلا بعد بلوغ الذروة، فالتصعيد الأخير يقبل التأويل بتعقُّد المسارات وعدم التوصُّل إلى صفقة مُرضية للطرفين، كما يحتمل القراءة على معنى التمهيد للتسوية، أو إرجاء الصراع، والاكتفاء بإدارته بدلاً عن الحل الشامل.
عادت إيران إلى التحليق فى سماء فلسطين المُحتلّة، لا على سبيل الثأر الشخصى فى تلك المرّة، إنما بصيغة أقرب إلى المُبادرة وتسجيل هدف افتتاحى. وتُعرِّف عن المُغامرة الأخيرة بالأيديولوجيا لا الجغرافيا/ المحور لا الدولة، وحزب الله كدُرّة التاج فى مشروع الشيعية المُسلّحة والمُمانِعة.
ولا يبدو التبرير منطقيًّا لأسباب عِدّة، أولها أن حرس الثورة عجز عن التصدّى لإغارة العدوّ قبلاً، وليس من الحصافة أن يستدعيه الآن، ثمّ إن الميليشيا اللبنانية تتلقّى الضربات منذ ثلاثين شهرا بلا انقطاع، قد تضاعفت بدءا من دخولها على خط الإسناد فى مارس، ولم يجدّ ما يجعل اشتباك الأصيل وجوديًّا أو لا بديل عنه للحفاظ على الوكيل.
والأهم، أن حكومة نتنياهو تسير باتجاه حلّ الكنيست والدعوة لانتخابات مُبكّرة، وقد طُوِّقت قهرًا بالتهدئة بين البيت الأبيض وبيت المُرشد، ومساعى التوصُّل لترتيبات أمنية وسياسية مع بيروت، وإن ظلّ يُناور بشأنها ولا يتوقّف عن اختراقها.
وآخر ما يُحبّه اليوم أن يسود الهدوء، وأكثر ما يستفيد منه أن يتعالى الصخب أو تتأجج الحرب من جديد.
ولا يخلو الأمر من منفعةٍ بالقطع، أهمها تثبيت القاعدة الموالية فى بيئات المنطقة، والاستثمار فى عواطفهم، وتأكيد أن لبنان ورقة مطوية ضمن ملف المساومة مع الشيطان الأكبر.
يختبر الصقور هُناك ردّ فعل الإدارة الأمريكية، واستجابة سيّدها المزاجى المأزوم للرسالة المُوجّهة. يُعزّزون مركز نعيم قاسم ورجاله فى البيئة اللبنانية، ويُلوّثون هواء المفاوضات المٌباشرة.
كما يُراقبون ما إذا كان الصهاينة سيحصلون على ضوء أخضر للقتال مُجدّدًا، أم ستُفرض عليهم وصاية خشنة تكبح اندفاعتهم وتُقوَّض صقورية الائتلاف ومُتطرفيه التوراتيين.
وبالنظر إلى التداعيات التالية، فإن الردّ الإسرائيلى جاء دون السقف المُتوقّع، وعند منسوب أقل كثيرًا من حالات سابقة.
ما يعنى أن تل أبيب الرسمية تتحرّك فى نطاق ضيّق للغاية، ولن يُترَك لها الحبل على الغارب، فضلاً على أن حليفها وراعيها لن يُجاريها فى جولة حربية ثانية.
غير أن الارتياح لهذا التصوّر، إنما ينصرف باستسهال عن الارتدادات العبرية غير المنظورة، وطبيعة الاستجابات المُتوقّعة فى بلدٍ يعيش على طبول الحرب لأكثر من سنتين، يزداد يمينيّة وشراسة، وقد انقلبت استراتيجيته الأمنية رأسًا على عقب.
ما تهرّب نتنياهو من المساءلة عن إخفاق الطوفان حتى الآن، إلا بفضل الخفّة التى أبداها حزام المُمانَعة، أكان فى الانزلاق إلى دائرة النار دون عقل وخطة، أو الانكشاف الفادح أمام أقل قدر من الضربات، وبما مكَّن العدو من إحراز نجاحات سهلة وزهيدة التكلفة.
وإذ يرتخى إيقاع الخروج من النفق المُظلم فى غزة، بسبب المُماطلة والاحتيال الصهيونى المعهود والمُتوقّع، فإن عناد «حماس» وتمسُّكها بالحُكم، وإضمار عكس ما تُظهر بشأن السلاح والتخلّى عن السلطة، يصبُّ مباشرة فى صالح النظير اليمينى فى تل أبيب، ويبدو كما لو أنه عنصر مقصود فى حملة الليكود الانتخابية.
رشقة الصواريخ كانت استعراضية خالصة، ويعرف أصحابها قبل الذهاب إليها أنها لن تُسبِّب أضرارا للدولة العبرية، ولن تُغيِّر التوازنات المُختلة على الأرض. فإمّا أنها امتحان لرهانات مُعلّقة، أو مُقدّمة لدراما لم تنضج بعد.
وما كانوا ليُغامروا بها أبدًا، لو أنهم تشكّكوا للحظة واحدة فى سوء العاقبة، أو أن الولايات المُتحدّة ستتلقّاها بنزق الإمبراطورية، وتعدّها ضمن المساس بأصولها، أو اختراق خطوطها الحُمر.
أكتبُ صباح الاثنين، وأتوقّع أن تكتفى إيران بما كان من أخذٍ وردٍّ، سواء أعلنت عن الأمر أم لم تُعلِن. وإسرائيل لن تُوغِل بدعوى الثأر أو ترميم جدار الردع، إنما لن تتوقّف عن سحق الحزب والتوسّع جنوبىّ الليطانى، لتنسف حجّة الولىّ الفارسى، وتُحصّل مقابل الصمت من الوكيل اللبنانى.
أقرب الظن أنها مسرحيّة، وليس مُهمًّا إن كانت مُرتجلةً أو مُرتّبة. غايتها الخروج من فيلم الصدام الماسخ الطويل، وإنهاء حال الهُدنة شكلاً دون الموضوع.
إنها مُجرّد قفزة للاقتراب من الذروة مُجدّدًا، ومَنح الجمهورية الإسلامية صورةً تُسوّقها فى الداخل وبين الأتباع، تمهيدًا لتقطيب جروحها على ما فيها من قيحٍ ووَسَخ.
يُحتَمَل أن تكون كركبةً فى المصارين، ومحاولات مُتبادَلة للضغط وتحسين الشروط. ستبرُد قليلاً لتُحمَى بعد بُرهةٍ، أو تعود للجمود ما شاءت لها المصالح والأهواء.
إنما السياق هنا ينمُّ عمَّا هو أقل من إحماء النار مُجدّدًا، وأكبر من الرقصة المُتّفق عليها، ولعلّها إشارة إلى اتفاق وشيك!