كان المطبخ في بيوتنا هو قلبها النابض، وكان "نَفَس" الأم في الطعام هو التعويذة السحرية التي تجمع الشتات، وتذيب خلافات النهار مع أول رشفة "شوربة" أو قضمّة "محشي".
اليوم، انطفأت نيران المواقد، في بعض المنازل، وخمدت معها نيران البهجة، وتحول الرباط الأسري من طقس دافئ تُطهى فيه المودة على نار هادئة، إلى "أوردر" سريع يُطلب بضغطة زر عبر تطبيق "دليفري".
إننا نعيش اليوم تحولاً اجتماعياً حاداً، تراجعت فيه ثقافة "لقمة الأم" لتسود ثقافة "العلب الكرتونية"، ليتحول الطعام من رسالة حب مغلفة بالدفء، إلى مجرد وقود سريع يُلقى في جوف الأجساد، لتفقد العائلة واحدة من أهم محطات تلاقيها الإنساني، في هذا الزمن الاستهلاكي، لم نعد نشتري وجبة، بل نشتري "عزلة مغلفة".
في الماضي، كان إعداد الطعام معركة يومية جميلة تشترك فيها الأيدي؛ تصنع الأم، وتساعدها الابنة، وينتظر الأب والأبناء لحظة الالتفاف حول "الطبيلية" أو المائدة، حيث كانت اللقمة تُقسم بالعدل والمحبة.
الآن، يدخل مندوب التوصيل حاملاً أكياساً بلاستيكية صماء، ليتناول كل فرد وجبته منفصلاً في غرفته، غارقاً في شاشته، لقد تحولنا من "أهل بيت" يجمعهم طبق واحد، إلى "نزلاء فندق" يجمعهم موعد وصول "الديليفري".
المفارقة هنا أننا أصبحنا ندفع مبالغ طائلة لا لنشتري غذاءً، بل لنشتري "جفاءً"، ونستبدل رائحة "التقلية" الذكية التي كانت تعلن هوية البيت، برائحة الوجبات السريعة المتشابهة التي لا هوية لها ولا روح.
الخسارة هنا لا تقف عند حدود الميزانيات الممزقة التي تلتهمها التطبيقات، ولا عند الأمراض والأجساد المترهلة التي تخلّفها الدهون المشبعة، بل الخسارة الحقيقية هي انقراض الذاكرة الشمية والعاطفية للأجيال الجديدة.
إن مطبخ الأم لم يكن مجرد مكان لإعداد القوت، بل كان برلماناً عائلياً تُحل فيه المشاكل، ومدرسة تُلقن فيها الأصول، ومحفل تعاطف يواسي فيه المريض ويفرح فيه الناجح، بـإغلاق هذا المطبخ، أغلقنا صمام الأمان الذي كان يربط الأبناء بجذورهم.
إنها دعوة لاستعادة روح البيوت قبل أن تبتلعها الوجبات السريعة، نحتاج أن تعود للمطابخ حركتها، وللموائد لمتها، فالطعام الذي لا يُطبخ بالحب لا يُسمن ولا يغني من جوع عاطفي.
دعونا ندرك، قبل فوات الأوان، أن الـمذاق الحقيقي للحياة لا يوجد في قائمة طعام التطبيقات الذكية، بل في تلك اللمسة العفوية ليد الأم وهي تقدم طبقاً بسيطاً، صُنع بصبر، وقُدم بحب، وبورك بلمة عائلية لا تعوضها كل أموال الأرض.
محمود عبد الراضي، مقالات محمود عبد الراضي، تطبيقات الدليفري، مطبخ الأم، الأكل الجاهز، التحول الاجتماعي، اللمة العائلية، الدفء الأسري، العادات المصرية، ثقافة الاستهلاك، الروابط الأسرية، نوستالجيا البيوت.