حازم حسين

إقامة دائمة فى يونيو

الإثنين، 08 يونيو 2026 02:00 م


سكتت الحرب، ولم يتكلّم السلام بعد. والرسائل لا تتوقف من واشنطن لطهران والعكس، وكلاهما زاهد فى القتال، عاجز عن الحسم، ويتقلّب على جَمر الكرامة وجليد العناد؛ فيحترق مرّتين!

خمسون عامًا وما فكّر الأمريكيون فى شطب جمهورية الولى الفقيه من الخريطة، وتوقّف الملالى عن المحاولات الصاخبة بعد الثلاثية الدامية: السفارة فى إيران، وأختها مع ثكنة المارينز فى لبنان.

الجديد؛ أن إسرائيل دخلت على الخطّ، وسَعَت إلى خلخلة التوازنات وتركيبها على وجهٍ مُغاير، وإعادة تكييف المنطقة بما يتناسب مع أولوياتها المُحدّثة، وتعديل نظرتها للأمن والرَّدع.

تتّصف الجولة الراهنة بأنها معركة نتنياهو الشخصية؛ إنما للدقة فقد تحصّل على البندقية والرصاصة الأُولى من خصومه المُمانِعين؛ فكأنهم أهدوه ما لم يكن يحلُم به، وجرّوا على أنفسهم ما لا يستطيعون دفعه أو احتماله.

قفزة غير اعتيادية منذ خريف 2023.. اهتزّت عُمُد كانت تبدو راسخة، وكُسِرَت أظفارٌ وأنياب، وقفزت الضباع على الموانع المُتخيّلة.. وأقرب لحظة شبيهة، ما كان فى النكبة أو النكسة!

تدور المنطقة على نفسها فى دوّامة مُتسارعة، لا تقف ولا تتباطأ. كأنها مُجبَرة على تكرار الأخطاء، وممنوعة من العِظَة الاعتبار.
والذين لا يُحسنون قراءة الماضى، واستيعابه، محكومون دومًا بإعادة إنتاج فصوله، أو أسوأها على وجه التحديد.

لو كانت الهزيمةُ رجلاً؛ لأوشكَ اليومَ على التقاعُد. مَرَّت ذكرى الخامس من يونيو 1967، وتعافى المصريون منها تمامًا؛ وإنْ تبقَّت بعضُ آثارها فى تلافيف الوعى ونخاع البلد.

غير أنَّ المشهد الذى انطفأ هُنا، يندلع فى مكانٍ آخر؛ حتى لكأنَّ بعض الخريطة عاد ستة عقود للوراء.
احتُلَّ قطاعُ غزَّة مع سيناء والجولان، وتكفّلت نضالاتُ السياسة والسلاح لعقودٍ بتحريره جزئيًّا؛ لكنَّ «حماس» حملَتْه بساعديها لتُلقيَه مُجدّدًا تحت حذاء المُحتلّ الغاشم.

وتشبّه بها «حزبُ الله» دون ضرورة أو مُبرِّر؛ فأذاقَ لبنان ما لم يعرفه فى الزمن الستّينىِّ، وربما يفوق جولاته التالية مع الصهاينة؛ حتى التى وصل فيها شارون، وزير دفاعهم آنذاك، إلى قلب بيروت.

يُؤخَذ على نظام «عبد الناصر» أنه جَمَّل القُبحَ، وفوّض «هيكل» فى بناء السردية الخادعة؛ فحوّل الانكشاف إلى انتكاسةٍ عابرة.
يفيض كارهوه فى القول، وليس خاطئا على أية حال؛ لكنه لعب على معنويات الشارع، ولم يشرب معه من كأس الوَهْم.

أقرّ الرجل بالهزيمة بلا مُكابرة، وعرف مواطن العوار وسعى لمُداواتها. بدأت ورشة الاستدراك والبناء، وكانت حرب الاستنزاف، ثمّ المُراجعة السياسية والفكرية للمشهد بكامله، ورسم ملامح الطريق التى سيسير فيها السادات لاحقا.

قَبِلَ مبادرة روجرز، وتمتلئ محاضر اجتماعاته السرية باعترافات الإخفاق وسوء التقدير. خرج من جوّ الصخب والشعارات المُنتفخة هواء ساخنا، مع عقلانية ترى أن إنكار العدوّ لن يُغيّر الحقائق.

وأجزمُ بأنَّ العُمر لو طال به؛ لكان صاحب الخطبة الشهيرة فى الكنيست، أو حلّ اسمه توقيعًا ثانيا على اتفاقية السلام.
كانت هجمة غلاف غزّة عملية انتحارية، واختير موعدها لمٌنازعة مصر فى انتصار العرب الوحيد على الصهاينة؛ فتحوّلت لنكسةٍ ثانية أو نكبة ثالثة. وبالمُشاكلة الزمنية؛ كأنهم الآن عند مطلع 1970 أو بعده بقليل.

وقتها كان المصريون قد تصالحوا مع الحقيقة المُرّة، وانتفضوا لتغييرها، ويقتربون حثيثًا من محطة الحرب. تقبّلوا اتفاقًا مُؤقّتًا لوقف النار، وأعادوا ترتيب الجبهة ورسم ملامح المواجهة.. أمّا الحاليون؛ فيُقيمون فى لحظة تشَظٍّ وانحلال، مع فائضِ غباوةٍ وإنكار.

أنفقت إيران الخُمينية كثيرًا لانتزاع القضايا من أصحابها، وتُستنزَفُ اليومَ لانتزاعها من المجال العربى. وبغض النظر عن النتيجة؛ فلن يكون مستقبلها كماضيها.
تُحاول الدولة اللبنانية النجاة من فخّ الدويلة؛ لكن حرسَ الثورة يأبى أن يُخلّى سبيلها، ووكيله فى الضاحية يربط نفسه مع طهران بحبلٍ، تُحكِمُ تل أبيب لَفّه على عنق بيروت!

الولايات المتحدة ليست طرفًا مُحايدًا قطعًا.. لكنّ اتفاق واشنطن الأخير ليس ناتجًا عن انحيازها فحسب، ولا لأنَّ الإدارة اللبنانية منسحقة ومُغرمة بالتنازلات المجانية.

إنه حصيلة خطايا سنوات طويلة، وليس «طوفان السنوار» وجولتى إسناد حسن نصر الله حصرًا؛ بل تصحُّ فيه العودة لحرب 2006، عندما أقرّ الأمين العام بالجُرم، ولم يعتذر أو يُكفّر عنه.

لقد كان توازُن القوى مُختلّاً؛ ثم انعدم تمامًا.. صار المسار إجباريًّا، والخيار بين إنقاذ المريض بالدواء المُرّ، أو تركه للموت بين داء شرس، ودجّالين يفرضون عليه عقاقيرهم المُسمَّمة!

يُخوّن نعيم قاسم الرئيس والحكومة، ولا يرى فى تلقّيه الأوامر تواطؤا أو عمالة. حلفاؤه فى الجماعة الإسلامية يُطلقون النار فى «عائشة بكّار»؛ كأنما يُذكّرون باقتحام بيروت 2008، ويُلوّحون بالحرب الأهلية من بعيد!

وقّع حشدٌ من أهل «صور والنبطيّة» نداءين، يُطالبان بإبقاء المدينتين خارج المحرقة. فيهم شيعة؛ لكن سهام التخوين لا تُفوّت إلّا المُتأيرنين، وما مَنع القتل بدلَ الوَصْم؛ إلّا انشغال الميليشيا بالهزيمة!

انتُقِدت الناصرية بالصخب، وخُوِّنَت عندما تعقّلت. والذين زايدوا على الرجل إمّا اقتفوا أثره، أو ذاقوا مرارة يونيو مرّة إثر أُخرى، بلا انقطاع ولا ارتواء.
لا يتعافى المرء إلّا لو عرف وأقرّ بالداء، والذين يُصوّرون الطوفان وتداعياته نصرًا؛ ستطول إقامتهم حتمًا فى أزمنة النكبات!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة