في لحظات التحول الكبرى من تاريخ الأمم، لا تُقاس قوة الدول بحجم ما تملكه من موارد أو بما تمتلكه من أدوات القوة التقليدية فحسب، وإنما بقدرتها على قراءة المتغيرات، واستيعاب طبيعة المخاطر، وصياغة رؤية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والفوضى إلى استقرار، والأزمات إلى مسارات جديدة للبناء والتنمية.
واليوم، يقف الشرق الأوسط أمام واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ عقود طويلة. فالحرب في غزة ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على المنطقة، والصراع في السودان يهدد استقرار أحد أهم أركان الأمن القومي العربي، والأزمة الليبية لم تصل بعد إلى تسوية نهائية تضمن استعادة الدولة لكامل مؤسساتها، بينما تتصاعد التوترات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتتداخل هذه الملفات جميعًا مع تداعيات المواجهة الأمريكية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية التي تنذر بإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بصورة غير مسبوقة.
وسط هذا المشهد المعقد، برزت مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي باعتبارها أحد أهم مراكز التوازن الإقليمي، ليس فقط بحكم ثقلها الجغرافي والديموغرافي والتاريخي، وإنما أيضًا بفعل رؤية سياسية تقوم على حماية الدولة الوطنية، والحفاظ على استقرار الإقليم، ومنع انزلاق المنطقة نحو سيناريوهات الفوضى الشاملة.
لقد أدركت القيادة المصرية مبكرًا أن أخطر ما تواجهه المنطقة ليس فقط الحروب المسلحة، وإنما انهيار مفهوم الدولة ذاته. فالتجارب التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين أثبتت أن سقوط المؤسسات الوطنية يفتح الباب أمام الفوضى والإرهاب والميليشيات والتدخلات الخارجية، ويحوّل الدول إلى ساحات مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية.
من هنا جاءت السياسة المصرية قائمة على مبدأ استراتيجي واضح: الحفاظ على الدولة الوطنية باعتبارها خط الدفاع الأول عن الأمن والاستقرار والتنمية. وهو المبدأ الذي انعكس بوضوح في المواقف المصرية تجاه مختلف أزمات المنطقة.
في القضية الفلسطينية، لم يكن الموقف المصري مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، بل تحركًا استراتيجيًا لحماية جوهر القضية ومنع تصفيتها. فمنذ اندلاع الحرب على غزة، أعلنت القاهرة رفضها القاطع لأي مخططات تستهدف تهجير الفلسطينيين أو تغيير التركيبة السكانية للقطاع أو فرض حلول تنتقص من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
ولم تكتف مصر بإعلان المواقف، بل تحولت إلى مركز رئيسي للوساطة الدولية، مستفيدة من ثقة مختلف الأطراف في دورها وقدرتها على إدارة الملفات المعقدة. وقد لعبت القاهرة دورًا محوريًا في جهود وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية، وتهيئة المناخ السياسي اللازم لاستئناف المسار التفاوضي.
وفي ليبيا، تبنت مصر رؤية متكاملة تنطلق من أن استقرار الدولة الليبية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. ولذلك دعمت القاهرة باستمرار مسار الحل السياسي الليبي ـ الليبي، ورفضت التدخلات الأجنبية، وطالبت بخروج المرتزقة والقوات الأجنبية، وساهمت في دعم جهود إعادة الإعمار والتنمية بما يساعد على استعادة الدولة الليبية لعافيتها ومكانتها.
أما في السودان، فقد ارتبط الموقف المصري بفهم عميق لطبيعة العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين البلدين. فاستقرار السودان ليس قضية جوار جغرافي فقط، بل قضية أمن قومي مباشر تمس مستقبل وادي النيل بأكمله. ولهذا دعمت مصر مؤسسات الدولة السودانية، ورفضت أي محاولات لتقسيم البلاد أو شرعنة كيانات موازية، وسعت إلى دفع الأطراف المختلفة نحو حل سياسي يحافظ على وحدة السودان وسيادته.
وفي القرن الأفريقي، اتخذت القاهرة موقفًا واضحًا داعمًا لوحدة وسيادة الصومال، انطلاقًا من إدراكها لأهمية هذه المنطقة في معادلة الأمن الإقليمي وأمن البحر الأحمر. كما عززت شراكاتها السياسية والعسكرية والتنموية مع مقديشو في إطار رؤية أوسع تستهدف حماية المصالح العربية في هذه المنطقة الحيوية.
غير أن التحدي الأخطر الذي يواجه المنطقة اليوم يتمثل في تداعيات الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية وما يمكن أن تجرّه من تداعيات واسعة على أمن الخليج العربي والبحر الأحمر وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
لقد تعاملت مصر مع هذه التطورات بمنطق الدولة المسؤولة التي تدرك حجم المخاطر وتعقيدات التوازنات. فمن جهة، أكدت القاهرة دعمها الكامل لأمن الدول العربية ورفضها لأي اعتداء يهدد سيادتها أو استقرارها. ومن جهة أخرى، تمسكت بخيار الحلول السياسية والدبلوماسية ورفضت الانخراط في سياسات التصعيد التي قد تدفع المنطقة إلى مواجهة شاملة لا يخرج منها أحد منتصرًا.
ويعكس هذا الموقف فلسفة سياسية تقوم على أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالحروب المفتوحة، وإنما ببناء توازنات مستقرة تمنع الانفجار وتحافظ على مصالح الشعوب والدول.
لكن أهمية الدور المصري لا تتوقف عند حدود إدارة الأزمات. فالرئيس عبد الفتاح السيسي طرح خلال السنوات الأخيرة رؤية أوسع تقوم على الربط بين الأمن والاستقرار والتنمية. فالدول التي تعاني الفقر والبطالة وضعف البنية الأساسية تصبح أكثر عرضة للاضطرابات والتطرف والصراعات.
ولهذا شهدت مصر تنفيذ مشروعات قومية عملاقة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والمدن الجديدة والتحول الرقمي، ليس باعتبارها مشروعات تنموية فقط، بل باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا في الأمن والاستقرار ومستقبل الأجيال القادمة.
إن السؤال الحقيقي الذي يواجه العالم العربي اليوم ليس كيف يخرج من الأزمة الحالية فحسب، وإنما كيف يمنع تكرار الأزمات مستقبلاً. والإجابة تكمن في الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة المستقبل.
فالمنطقة العربية تمتلك من الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والثروة البشرية ما يؤهلها لأن تكون أحد أهم مراكز الثقل في العالم خلال العقود المقبلة. لكنها تحتاج إلى مشروع عربي جديد يقوم على التكامل الاقتصادي، والتعاون التكنولوجي، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، وتطوير التعليم والبحث العلمي، والاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الأهم والأكثر استدامة.
وفي هذا السياق، تبرز مصر بوصفها دولة تمتلك المقومات اللازمة للمساهمة في قيادة هذا التحول، ليس عبر الهيمنة أو فرض الرؤى، وإنما من خلال بناء الشراكات وتعزيز التعاون وصياغة مساحات مشتركة للمصالح العربية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الدول التي تكتفي برد الفعل تظل أسيرة الأحداث، بينما الدول التي تمتلك رؤية واضحة هي التي تصنع الأحداث وتؤثر في مسارها. ومن هنا تبدو أهمية الجهود المصرية الحالية التي تسعى، رغم صعوبة البيئة الإقليمية، إلى تثبيت الاستقرار، واحتواء الصراعات، وفتح آفاق جديدة للتنمية والتعاون.
إن التاريخ لا يتذكر فقط من خاض الحروب، بل يتذكر أيضًا من منع الحروب، ومن حافظ على الدول، ومن مهد الطريق للأجيال القادمة كي تعيش في بيئة أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا. وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحديات غير مسبوقة، يبقى الرهان الأكبر على قدرة الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، على تحويل هذه اللحظة الصعبة إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف؛ مستقبل تصنعه الإرادة السياسية الواعية، والتنمية المستدامة، والتعاون الإقليمي، والإيمان بأن الأمم العظيمة لا تستسلم للأزمات، بل تصنع منهاالدول الكبرى التي لا تنتظر انتهاء الأزمات، بل تصنع منها فرصًا لإعادة البناء وتعزيز النفوذ وصياغة مستقبل أكثر استقرارًا وتأثيرًا.