لم تعد بعض البيوت في زماننا هذا أسراراً، بل أصبحت "ستوريات"، وتحول الرباط المقدس من ميثاق غليظ يُعقد في القلوب، إلى "عقد رعاية" يُوقع مع الشركات.
في عالم (الكابل بلوجرز)، لم يعد الحب مشاعراً تُعاش خلف الأبواب المغلقة، بل أصبح "محتوى" يُباع ويُشترى في سوق المشاهدات، لتتحول الحياة الزوجية من سكن مألوف إلى سكن في "التريند"، وتتحول السكينة إلى "سكين" يذبح خصوصية الأسرة بدم بارد.
هناك، خلف الشاشات البراقة، تصبح المودة "مادة" إعلانية، والرحمة "رقم" أرباح يرتفع مع كل "لايك"، ترى الثنائيات يستعرضون تفاصيل يومهم؛ من صباح الخير المغلف بقبلة مصطنعة أمام الكاميرا، إلى عشاء رومانسي ممول بالكامل، مروراً بخناقات مفتعلة لرفع التفاعل، وجلسات تصوير مبهرة تعكس كمالاً مزيفاً.
إنهم يبنون بيوتاً من زجاج، تتلألأ تحت أضواء الشهرة، لكنها تكشف كل ما بداخلها لعابر السبيل، وتصبح هشة أمام أي ريح حقيقية.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في تزييف الواقع، بل في أن هؤلاء الصناع أصبحوا يبيعون الوهم كمعيار، ويطرحون "اللقطة" كبديل للأصل.
هذا الاستعراض المستمر ترك شروخاً عميقة في جدار الأسر التقليدية، التي تعيش حياة طبيعية فيها الكبد والتعب والملل العابر.
عندما تنظر الزوجة التقليدية إلى "الشاشة"، وتري دلالاً لا ينقطع وهدايا لا تنتهي، وينظر الزوج إلى ابتسامات لا تغيب، تبدأ المقارنة الظالمة.
المقارنة بين واقع حقيقي يعيشونه، وافتراض متقن يشاهدونه، مما يولد إحباطاً صامتاً، ويزرع الشك في النفوس، وينبت الزهد في الشريك.
لقد نجحت هذه الظاهرة في تحويل العلاقات الزوجية الطبيعية إلى سلع رخيصة في نظر أصحابها، وصار النجاح الأسري يُقاس بحجم التفاعل لا بحجم التفاهم.
إنها مفارقة ساخرة؛ فالبيوت الزجاجية المضاءة بنور الهواتف، غالباً ما تسكنها عتمة موحشة بعد إطفاء الكاميرات، والأسر التي تظن أنها تشتري السعادة بـ "الشير"، تبيع في الحقيقة أثمن ما تملك: الدفء والأمان والخصوصية.
وحين تنتهي عقود الإعلانات وتمل الجماهير من المتابعة، يكتشف هؤلاء أنهم خسروا شريك العمر من أجل "جمهور" لا يتذكر ملامحهم في اليوم التالي، ليبقى السؤال معلقاً فوق حطام البيوت: هل يستحق "اللايك" أن نضحي من أجله بـ "اللهفة" الحقيقية؟