حازم حسين

الولد الطيّب مات

الأحد، 07 يونيو 2026 02:00 م


خفيفًا حلَّ فى الدنيا، وارتحل عنها خفيفًا. عاش بابتسامة الطفل وروحه، ويبدو أنه حمل هموم الرجال فى قلب رقيق؛ فلم يحتملها، وخانته النبضات فجأة، دون علّة ظاهرة، وبلا تمهيدٍ أو تحذير.

كائن لا تُحتَمل خِفّته، بحسب العنوان البديع لرواية ميلان كونديرا. يفوح عبيرا فى الحضور، ويكاد لا يُرى من بساطة انسيابه كالهواء فى أرجاء المكان، ولو أنه مَشَى على أفئدة الحاضرين ما أحسّوا بثِقَل الخطوة!

والرحيل مؤلم فى كل الأحوال، كسيخ سُخن ينفذ من بين الضلوع، أو ينزرع فى العظم، ولا فارق بين أن يكون سريعًا أو بطيئًا؛ إلا إحسان الظن بالراحل، وأن السماء قطعت له تذكرة مُميزة، كما أنه لم يُرِد أن يُجرجر المُحبّين طويلاً أو يسحلهم بقسوة وراء القطار!
اسمه أحمد عادل. فى الأوراق الرسمية وبطاقة منحته الحكومة إيّاها؛ إنما بالنسبة لنا كان "دُولا" وحسب. حتى أن النعى بدا غريبا علىّ شخصيًّا؛ كحال الذى يودّع عزيزا من العائلة، وكان يعرفه بالجينات لا الأوراق الثبوتية.

شباب بسيط، جرت عليه المقادير كسواه، وساقته إلى مهنة لا ترحم مُحبّيها، وتُثقِل كاهلهم وأرواحهم بما لا يحتمله إنسان طبيعى؛ ولو ادّعوا البأس رغبة فى الإنكار، وكابروا علنًا لحفظ ماء الوجه، أو خدعوا أنفسهم فى السرّ لكى لا تتداعى جدرانهم التى يحتمى بها المُقرّبون وفلذات الأكباد.
الصحافة مغناطيس للهموم، وتُراكم على كواهل أبنائها ما لا يقدرون عليه. ومن متاعبها العادية ألا يخلو المرء من الضّيق والكَدر، ومن القلق على اليوم والغد، وأن يتنفّس من غدّتيه الكظريتين لا من الرئتين، ويكون هواءه الأدرينالين وماءه الكورتيزول.

قضى المقطوف باكرًا جُلّ عُمره المهنى فى قسم الديسك بالموقع الإلكترونى، ما يُضاعف عبء تخصًّص صحفى هو بذاته عقاب فى الدنيا وتذكرة للآخرة.
أُردِّد قولاً دائمًا عن أن "disk" تشخيص لا صفة وظيفية، وأن جميع حاملى نيشانها المُبجّل مرضى غضاريف، لا فارق بينهم إلَّا أن واحدا يعلم وآخر ما زال مُقيما فى نعيم الجهل بالعلّة.. ويُمكن أن أُضيف الضغط والسكّر وغيرهما، إنما مرارة الحلق تظلّ قاسمًا أعظم!

قوام نحيل، وكتفان غير عريضتين بما يكفى لأعباء الدنيا. زوج هادئ خفيض الصوت، ويعول ثلاثة أبناء أكبرهم تخطو ببطء فوق عتبة المُراهقة. أهداهم كل ما طالته يداه، وما كان يُحبُّ بالتأكيد أن يكون اليُتمُ آخرَ هداياه لهم.

قبل فترة ألمَّت بى وعكة صحية، ورأيت مؤشرات مُزعجة لشخص يحمل باقة أمراضٍ مُزمنة. انفردت بنفسى فى حمّام البيت، ليتفجّر البكاء كأننى أُودِّع أو أُوَدَّع، وليس على لسانى إلَّا القول: عيالى يا رب!

تذكّرت الموقف بحذافيره، وبكلِّ شعور مُرٍّ مَرَّ علىّ فيه، وعرفت أن الولد الطيب الذى غادرنا أمس، قد مات مرّتين للأسف: الأولى موتته الطبيعية التى كتبها الله له، والثانية جزع الأب الذى يُخلِّف كتاكيت خضراء، ما شبع منها بعد، ولا رأى من الأيام ما يُطمئنه عليها.

زحفتُ عقودًا للوراء، على البطن وحبَّتَى العينين، وعُدتُ لأُشفقَ على أبى مُجدَّدًا، وقد قضيت السنوات منذ كُنت فى الثامنة، ألومُه سرًّا على السفر المُباغت، انخلاع الإحساس بالأمن، ومَنْحى صفة "اليتيم" دون استشارةٍ أو استعداد، ودون بناء جدارٍ ركينٍ من الأهل أو الوفرة المالية!

عشتُ طويلاً أُردِّد بيت أبى العلاء المعرّى: "هذا جناه علىّ أبىّ.. وما جَنيتُ على أحد"، وكُنتُ اتّخذته مُبرّرًا لقرار سابق بألا أُنجب أطفالا قد لا يطول العُمر لتربيتهم؛ ثم خفتُ من الموت وحيدًا؛ فجنيتُ على اثنين.

وأُشيّع "دولا" بدموعٍ مُضاعفة، لأننى أُودِّع فيه: الزميل/ الصديق/ الأب/ اليتيم والمُيَتّم (بفتح التاء وكَسرها).. والمصير الذى أخشاه أيضًا!
عرفته منذ خمس عشرة سنة، أو أقل قليلاً، ولم أذكُر أنْ مرّت بيننا سحابة رمادية، أو امتزج الودّ المُتبادَل بما يجرى على العلاقات الإنسانية، لا سيما إن طال بها العهد، ووُضِعَت فى محكّاتٍ يومية مُتقلّبة، وبيئة اجتماعية يتغيّر هواؤها يومًا عن آخر.
احتد على الناس واحتدوا عليه، كحال البشر فى كل بيئة عمل، وفى الحياة عموما؛ إنما الشهادة لله خالصة أنه لم يكن سيئا فى مظهره أو مخبره، وما بات وفى نفسه شرّ لأحد.

ما سجّلت عليه تجاوزًا؛ حتى فى أشد حالات التدافع بين الزملاء. ولعلّ هذا أوّل مأخذ عليه؛ أنه باغت الجميع، وصفع مُحبّيه بقسوة غير عادته؛ وكان أحرص الناس على مشاعر الآخرين، وألَّا يجرح خاطر أحد منهم قصدًا أو بخطأ عارض!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة