تُحرِق النار، وتُضىء؛ ولولاها لظلّ البشر مُقيمين فى الظلام.. ومُنذ سُرِقَت من كهوف الأوليمب؛ عرف الإنسان نفسه قبل أن يعرف العالم، واخضَرّت الأرض، وازدهرت الحياة.
تغيّر الاقتصاد عمّا كان قبل سنوات، وغدا لن يُشبه اليوم فى قليل أو كثير من التفاصيل.
والفن سِلعة، تسرى عليه قوانين السوق، وقد تشوّهت علاقات العمل والإنتاج فيه بالفعل، وعمّا قريب سيكون الردىء الراهن منه عزيزَ المَنال، وطَللاً يُبكَى عليه ككلِّ ماضٍ زائل!
قرنٌ واحد استغرقته حِرفة الطرب؛ لتنتقل من دُنيا المشايخ إلى الملاهى. من الفردانية للتنظيم، ومن تُجّار الاسطوانات لشركات الإنتاج المُتدرجة صعودًا؛ ثم للهبوط الخشن فى عالم المنصّات الرقمية.
كان المُنشدون أقرب إلى عُمّال التراحيل، يجوبون الآفاق ويترددون على القصور، ثم صارت أصواتهم أُصولاً قابلة للاستنساخ، وتكرار البيع وتضاعيف الأرباح.
استُهجِن عدويّة ثم صار من الكلاسيكيات. ابتُذِلَت المهنة قبل أن تُصبح مَطمعًا وأُمنية، واستُثمِرَ فى الأصوات كثروة أو عقار.
أصبح الفرد مُؤسَّسة؛ وإذ بالمؤسسات تتفكّك؛ لتغلُب الفردانيّة على المجال مُجدّدًا.
يتّسع المقام لدراسة اقتصادية وسوسيولوجية، تؤصِّل لرحلة الصعود والتداعى، وتقتفى أطوار الصنعة، وتبدُّلات نموذج الأعمال/ البزنس موديل؛ غير أن ذلك ليس همّى الأساسى هُنا.
تقول الأسطورة الإغريقية، إن كبير الآلهة «زيوس» عهد إلى بروميثيوس بتشكيل البشر؛ ولمَّا أطال فى الصنعة، استولى شقيقه أبيمثيوس على كل المهارات والمزايا، ومنحها للحيوانات.
وما كان من المُتأخِّر الطيِّب؛ إلّا أن بحث عن وسائل لتعويض ابتكاره الطازج، وإعانته على الاختلاف والتميّز، وأن يهزم ضعفه وهشاشته. فلم يجد إلا الحكمة والفنون والفلك والمعرفة.
وزاد فوقها جميعًا؛ بأن سرق لهم النار.. اكتسب البشر طاقةً بلا حدود، وبفضلها أضاءوا وطَهوا وروّضوا المعادن وأخافوا المُفترسِات؛ إنما عُوقِبوا مع السارق بإرسال الحسناء «باندورا» مع صندوق شرورها الشهير!
نتعثّر فى خطيّة الأوائل؛ غير أننا نحتاج بين وقت وآخر لتكرارها. أى أن نُطفئ النار ونُشعلها، ونسرق كل جمرة مُتّقدة فى كهفٍ بعيد، أو نمنع - إنْ استطعنا - الاستيلاء عليها وحَبسها من الأساس.
لدينا أزمة فنية من دون شكّ؛ لا سيما فى الغناء. ولا مُبالغة فى القول إنه تقلّص حتى ضاق وانغلق على آحادٍ، وانطفأ وهجه، وكاد ينحصر فى تكرارٍ ممجوج للعادى والركيك.
وإذا كانت الفردية تغلُب عليه؛ فلا حقّ لأحدٍ فى إجبار سواه على توسيع الدائرة، أو البحث عن وجوه جديدة، ومشاركة مَن يقعون خارج تفضيلاته ومساحاته الآمنة.
أغلب المُغنّين يُنتجون لأنفسهم حاليا، ويعوّضون الكُلفة من المنصات والحفلات. والمُلحّنون شكّلوا أخويّات ومَعازل مع كُتّابٍ ومُوزّعين، وصار الوسط عوائل أو قبائل تتصاهر فيما بينها، وتستميت للحفاظ على نقاء الدم/ الشِلّة.
والحل ليس فى الاستهجان والصِدام؛ إنما بالانصراف عن السكك الضيّقة المقطوعة، وابتكار بدائل أكثر يُسرًا واتّساعًا، وأقدر على تحرير المُنافسة وزيادة المعروض.
بدأ الشباب مؤخّرًا يستعينون بالذكاء الاصطناعى فى توليد أُغنيات كاملة، كلامًا وأنغامًا وتوزيعًا وغناء، وعلى ما فى التجربة من إغراءٍ وإدهاش؛ فإنها مُغامرة بتحييد البشر، وإفساد مساحة ما يزال الأفضل أن تظل إنسانية قدر الإمكان.
وما أتصوّره؛ أن تُستَغَل وفرةُ التقنيات، وسهولة الاتصال والتشبيك، فى ابتكار صِيَغ إنتاجية وإبداعية تُتيح للجُدد أن يُجرّبوا أدواتهم، ويقتحموا السوق رغمًا عن حُرّاس البوّابات؛ طالما نموذج العمل المُعتاد يُتيح ذلك.
بمَقدور كلِّ شاعر أن يتلاقى مع مُلحِّنٍ، ثمّ يتوصّلان لصوتهما الشريك، ونكون أمام فريقٍ قادر على التنفُّس، والوصول برسالته إلى الجمهور.
ولأجل أن تكون العملية أكثر فاعلية؛ فالأفضل أن تتجمّع الفِرَق الصغيرة فى دوائر أكبر، كخلايا النحل المُتراصة معًا؛ لتُشكِّل روابط أو كيانات أكبر وأنضج.
والميزة هنا؛ أنّ التباديل والتوافيق ستوفّر هامشًا أعرض للتنوّع، مع قدرة أكبر على اختبار السوق ودراسته، والاضطلاع بالدعاية والتسويق، ومُتابعة حقوق الملكية والأداء، والتنسيق مع الكيانات المُتخصصة مثل «ساسيرو « وغيرها.
وما يُغرى بالتجربة؛ أن الحلم الذى يعيش عليه كل موهوب لم يعد يستأهل الانتظار، والصيغة القديمة ليست مُغرية أصلاً.
أجور الشعراء غير مثالية، وباستثناء الأسماء اللامعة أو مَن يحتمون بشِلّة تُؤمِّنهم؛ فقد لا يحصل شاب مُبتدئ إلَّا على عدّة آلاف من الجنيهات، ولا يختلف أمر المُلحِّنين، مع صعوبة أكبر فى اختراق دائرة كهنة معبد النغم.
التقنيات الرقمية تُهدّد الصناعة فعلاً؛ والبديل ليست بالتشنّج والاحتكار وإيصاد الأبواب، إنما بإفساح المجال للمواهب، وإعانتهم، وإرساء منصّات إبداعية مُبتكرة، ما يُعين على ازدهار السوق، ويُطيل عُمر التجارب البشرية.
وحبّذا لو التفت الإعلام للمسألة، واتّسعت برامج اكتشاف المواهب إلى مجالات الكتابة والتلحين. شهدت مصر تجربة قبل سنوات طويلة، مع برنامج «ستويو الفن» المنقول عن نسخة سيمون أسمر الشهيرة؛ لكنها لم تستمر طويلاً.
يُمكن أن تنشط الشركات الكُبرى فى تلك المساحة، مع قالب برامجى يتيح المنافسة على كل عناصر الصناعة؛ ليكون مطبخًا حيًّا ووسيلة لاكتشاف المُتميزين أوّلاً، وتعريف سواهم بآليات العمل الحُر والإنتاج المُيسّر فى مجموعات صغيرة.
حقق صُنّاع المحتوى نجاحات ضخمة، على حساب المؤسَّسات الإعلامية للأسف؛ إنما أفرزوا وجوهًا أكثر كفاءة وطزاجة، وسدّوا فراغًا لم يجد من يملؤه، وهذا أفضل من أن يتسرّب الجمهور لبدائل أسوأ.
علينا استلهام التجربة، وتوفير كلّ المُحفّزات الكفيلة بإثراء صناعة المحتوى فى كل المجالات؛ لا سيما الفنون.
بهذا؛ يزداد المعروض ويتنوّع، تتضاعف موارد القوّة الناعمة، ينكسر قيد الاحتكار، وتفرز السوق محتواها وتُصحّح نفسها.
وذلك؛ بدلاً من تسيُّد محدودى الموهبة والخيال، لمُجرّد أنهم طيّبون فى الصداقة، ومُسَلّون لبقيّة الشِلّة، أو أنهم وصلوا قبل غيرهم، وعرفوا كيف يُغلقون الأبواب فلا يدخل بعدهم أحد!