اختتم العندليب حياته الفنية بها. تطلّب الأمر ثلاث سنوات، من وصول القصيدة إلى يده، حتى انطلاقها على لسانه، وبينهما جبل من النقاشات والنفقات معًا.
يُقال إنه احتاج لإجراء ثمانٍ وثلاثين مكالمة هاتفية مع نزار قبّانى، وكان جوّالا فى بلاد الله وقتها.
امتد الحوار ساعات؛ لتعديل كلمة أو جُملة من «قارئة الفنجان»، دُفِعَ عنه لشركة الاتصالات أضعاف ما سُدِّد لأجر الشاعر.
لم نسمع الأول يقول إنه أتى بما لم يستطعه الأسلاف، ولا ادّعى الثانى أنه فريد عصره؛ وإن سلّمنا عقلاً ومنطقًا بأنهما تَصوّرا ذلك عن نفسيهما، وآمَنا به تماما.
تجاوب «نزار»، ومثله كُثر، وتعطّلت مشاريع عِدّة للعظيم فؤاد حدّاد؛ لأنه لم يستجب لطلبات التعديل، وبالأحرى، رفض أن يكون الكلام تابعًا أو حِليةً فى رداء المُغنّى.
لا شىء أصعب من أن يرى الإنسان نفسه على حقيقتها، وقد يمتدّ به العُمر وتستغرقه التجارب، ويظل أبعد ما يكون عن ذاته، وأجهل الناس بها.. والأشد إرهاقا أن تعرف وتكتم، ثم تتصالح مع الحياة على مُرِّها قبل الحلو.
قليلون لديهم مرايا مستوية شكلاً وفِعلاً، والأغلبية تتقَعّر أو تحدودب مراياهم؛ فيرون ملامحهم مشوّهة بالتكبير أو التصغير.
وكلاهما ضارّ بالنفس والآخر، أكان بالغرور مع الحطِّ من الباقين، أو العكس بالعكس؛ ليتصاغر المرء دون ضرورة، وينفخَ سواه بلا جدارة أو استحقاق.
«الفنون جنون»، وللخيال أن يتسلّط على العقل؛ إنما بشرط انعكاس ذلك وتجَلّيه فى المُنتَج الإبداعى، لا الحياة اليومية.
سَرَتْ فاشيةٌ مؤخرا، إثر خلافٍ على أغنية رديئة أعدّها مُلحّن لمُطرِبَين، وتطوّرت مع جدالاتٍ تالية عن الموهبة والشِّلَليّة، والدوائر المُغلقة على الصُّحبة ومُتبادِلى المنافع.
لم يقنع المذكور بالأنغام وأجرِها؛ فعاث فسادًا فى الكلام ومعانيه. التفت المُتابعون إلى أن الملعب ضيّق، ومُغلَق عمدًا.. ودخل على الخطّ زميل يجلس فى بيته بلا عمل، فأخذ الموضوع أبعادًا شديدة التركيب.
نعيش فاصلاً سائلاً على صعيد سوق الموسيقى والغناء، وليسا فى أفضل أحوالهما، وبالتبعية فالمتصدّرون ليسوا أحسن المُمكن، والعملية مُرتبطة بحسابات شخصية، ومهارات خاصة فى العلاقات العامة وأشياء أُخرى.
تغيّرت اقتصاديات الصناعة، وغابت شركات الإنتاج أو غُيِّبَت. لم يعُد البيع المُباشر مصدرًا للدخل، والأغنيات تُموّلها عوائد المنصّات الرقمية، ثم ينتفع المُطرب منفردًا بالحفلات.
ما يزال الجمهور عنصرًا حاكما؛ غير أنه تراجع خطوتين للوراء على صعيد التأثير الحىّ. سيسمع ويرى ويُرتّب الفنانين بمقدار الإقبال والتفاعل؛ لكنه لن يُحدّد الأكثر طلبًا ومبيعًا، ولن تكون ذائقته ورأيه محلّ اعتبار الطبّاخين أصلاً!
صار عدّاد المُشاهدات ومُؤشّرات الرواج دليلاً على النجاح والجودة لدى الموهومين، أو الكذّابين عمدًا وعن سبق إصرار.
مع العلم بأن المُتابع يطوف على الحسن والقبيح، والانتشار الرقمى ليس دليلاً على شىء؛ اللهم إلا كثافة المُستخدمين، وفائض الوقت والبحث عن تسلية.
المُلحن الذى يُصرّ أن يكون شاعرًا بالغَصب؛ استدعى لدى الشُّعراء مرارة الإنكار والتجاهل، وجدّدها لهم وللمُلحنين ما كتبه نادر نور، عن إغلاق الأبواب ومصادرة الفُرَص.
علّق أحد المُطربين «المُستَنسَخين»؛ بأن سبب عدم الرد أو التفاعل غياب التجديد والأفكار المميزة. بالرغم من أنه يُطلق أعمالاً لا جديد فيها، والفارق بين الاختلاف والتخلّف ضئيل!
استفز كلامُه كثيرين؛ وأفاض الغاضبون فى انتقاد مستواه المتواضع، وأنه نسخة رديئة من عمرو دياب، وليس بين الصفّ الأول ولا حتى الثانى.
واكتملت المفارقة بشابٍّ دخل على الخطّ، مُتّفقًا مع المطرب المُهَجَّن، والمُستَهجَن؛ إنما بتحفُّظٍ بسيط: أنَّ كلَّ الشعراء فى كفّة، وهو فى كفّة!
الولد اسمه مصطفى حدوتة، كما بحثتُ وعرفت، مواليد أواخر التسعينيات، وبدأ نشاطه بكتابة مهرجانات مُبتذلة نوعًا ما، ثمّ تدرّج صعودًا مع المُطربين. وللأمانة؛ له أعمال جيدة، كما للمُلحن الذى افتتحتُ به الكلام.
أمّا ما توقّفت أمامه حقيقةً؛ فالاعتقاد الصلب بأهمية الذات، مع جرأة المُجاهرة رغم حداثة السنّ والتجربة، وقبل أن يتوافر رصيد يُغطّى ذاك الغرور الطفولى المُضحك.
بدأ الغناء العربى شعرًا، من الأوائل فى صدر الإسلام وبعده: سائب خاثر وطويس ومعبد وابن سريج وجميلة وعزة الميلاء وسواهم، واستمر لوقت قريب.
وما آلت إليه الحال منذ سنواتٍ؛ غير ما يصحّ وصفه بالشعر، والأدق أنها «أغانٍ» بفصلٍ واضحٍ عن الأشعار، وأن مُبدعيها المُحترمين كُتّابُ أغنيات لا شعراء.
لم نعرف الموسيقى البحتة مُبكّرًا، بل ارتبط فن السماع والتطريب بالقول والحكاية؛ فكانت الأنغام رديفَ الكلام، وما تزال، وتوقيعًا أو مُحاكاة بوحدات زمنية، تستبدل فى إيقاعها الظاهر ما كان من الحركة والسكون مع بحور الشعر.
وما يحدث الآن؛ أن الألحان تقدّمت للصدارة، وصار الكلام حشوًا لملء الفراغ، وجريًا على سابق العادة لا أكثر.
حتى أن عملية الإنتاج قُلِبَت؛ فيأتى اللحن أوّلاً، وأحيانا تكون تيمة التوزيع سابقة عليه وعلى الكلام معًا.
قد يُرى حديث الشاب الصغير سخيفًا، وصادرًا عن نفسٍ مُنتفخة بلا مُبرر، وقد يراه البعض «حدوتة ملتوتة»؛ غير أنه يُعبّر عن مرحلة وسياق، ولا يختلف عن سواه من المُنتفخين بالرداءة وقلّة الثقافة والاطّلاع، وبانعدام المنافسة إثر الشللية والانفراد بالساحة والأذواق.
لم تعُد الأغنيات تُصنَع لتبقى؛ بل تُنسَى أحيانا قبل خاتمتها. شجارٌ على أعمال ركيكة الآن، وسابقتها أُهِيلَ عليها التراب أو طواها النسيان.
فنٌّ مُستَنسَخ كالمُطرب المصبوغ إيّاه، أغانٍ تُشبه لوحات «الكيتش»، وصارت لها أدوار بيولوجية كالمأكل والمشرب، يستلذ بها الناس لبُرهة، ثم يُشَدُّ عليها السيفون للأسف!