حنان يوسف

الأخلاق وسلامة المجتمع

الأربعاء، 03 يونيو 2026 12:00 ص


في القصيدة البليغة للشاعر المصري الكبير أحمد شوقي: «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا»، تجسيد حقيقي للربط بين قيمة وترسيخ الأخلاق في المجتمع والحفاظ على تماسك المجتمع ووجوده، وهذا أمر حقيقي. ففي ظل التطور الكبير الحادث في التغيير القيمي داخل المجتمعات العربية، وما فرضته تأثيرات العولمة ثقافيًا وقيميًا وسلوكيًا على المواطن حاليًا، وما أفرزته تكنولوجيا الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي من سيطرة مضامين تخلو من القيم المتعارف عليها في عاداتنا الأصيلة.

تتزايد الشكوى من انهيار مستوى الأخلاق وتدنيها في المجتمع، ويعاني المجتمع من عدم وجود التزام واضح ومحدد بالقيم والمعايير الأخلاقية، مما يمس التماسك المجتمعي واستقرار الوطن كله، حيث إن قضية الأخلاق لم تعد كمالية ولا ترفيهية، بل إنها عين الحاجة، والالتزام بها دواءٌ ضروري، والدعوة إلى التمسك بها تحتاج إلى أن تكون مشروعًا قوميًّا في الوقت الحالي أمام ما نشهده من انعدام قيمة الأخلاق وانتشار الشبهات والتربية السيئة والسلوكيات المشينة والأفعال المخلة والقيم المتسفلة الهابطة.

فقد تلونت أخلاقنا في السنين القليلة الماضية بألوان بعيدة عن القيم والأخلاقيات، وانتشر الطمع والجشع، وفي الوقت نفسه تموت القيم في توقير الكبير وأهل العلم، والرفق بالضعفاء، واحترام المواعيد، وعدم نقض العهود، وأمانة الكلمة، وحسن المعاملة للجيران والأرحام والأصهار، ورعاية أهل الحاجات، وتقديم الكفاءات.

ولا توجد طريقة لغرس الأخلاق وتعليمها وتفعيلها في حياتنا وسلوكياتنا أقوى من تدريسها في كافة المراحل التعليمية، وفي مختلف المجالات الإنسانية والعلمية والتطبيقية وغيرها، حيث يحتاج المجتمع الآن إلى تدريس الأخلاق، ليس فقط في المرحلة الابتدائية، بل يمتد ذلك إلى كافة المراحل التعليمية، مع تفعيل قوة مقررات الأخلاق في العملية التعليمية لتصبح متطلبًا إجباريًا وشرطًا أساسيًا للتخرج، وليس فقط من المقررات الاختيارية «الكمالية».

وتزداد أهمية تدريس الأخلاق تحت وطأة هذا الواقع، في ظل غياب أمانة الأخلاق في إتقان العمل، مع استشراء ظاهرة الغش في الامتحانات، والغش في الأدوية، وفي الخامات الصناعية، وغيرها من الأنماط السلوكية القبيحة التي تعكس تدني مستوى الوعي بالأخلاق.

إن تدريس الأخلاق قد أصبح فرض عين على أهل الأخلاق والعلم وأهل المسؤولية من رواد التنوير الحقيقي، وحاجتنا إلى تدريس الأخلاق لا تقل قيمة عن خطط الإصلاح الاقتصادي والتخطيط الأمني وحفظ الحدود وحراستها وخطط الأمن الغذائي، ويجب أن يجعل المخلصون لهذا الوطن اهتمامهم الأول تدشين مشروع قومي لتدريس الأخلاق وتنميتها وتعليمها والحفاظ عليها، بل وتعريف الناس بها حتى لا يمارسوها على جهل بها.

وهو الأمر الذي يدعونا إلى إعادة التفكير في كيفية تدريس مادة الأخلاق وطرائق شرحها، حيث لا يجوز شرح تلك المادة بشكل نظري للطلاب، بل لا بد من ربط المعلومة بالطرق العملية إلى جانب الجوانب النظرية.

وكذلك يجب، تحت مظلة هذا المشروع القومي، ضرورة تعاون الأسرة والمؤسسات الاجتماعية المختلفة في تدريس مادة القيم والأخلاق، حيث إن المتلقي لعلم الأخلاقيات في المؤسسات التعليمية والتربوية بحاجة دائمة إلى رؤية محتوى مادة القيم والأخلاق في طريقة تعامل المجتمع بها.

إن تدريس الأخلاقيات هو عملية تطوير المهارات والمواقف اللازمة لاتخاذ القرارات الأخلاقية والتصرف بمسؤولية في ظروف مختلفة. والأخلاق ليست مجرد جزء من التعاليم الدينية أو فرع من فروع الفلسفة، بل هي ممارسة مهمة في الحياة اليومية، فهي مجموعة من المبادئ والقيم التي تنظم سلوك الإنسان في المجتمع، وليست مجرد مجموعة من القواعد التي يجب الالتزام بها، بل هي أيضًا أسلوب حياة يعتمد على الصدق والأمانة والمسؤولية واحترام الآخرين.

ولذلك فإن تدريس الأخلاقيات لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يشمل أيضًا إثارة المناقشات حول المشكلات الأخلاقية في العالم، كما أن تدريس الأخلاق يساعد الطلاب على الالتزام بالقيم الأخلاقية. وفوائد تدريس الأخلاق كثيرة، منها تطوير مهارات التفكير النقدي والتحليلي، إذ يساعد تدريس الأخلاقيات الطلاب على تطوير هذه المهارات، مما يساعدهم على اتخاذ قرارات أخلاقية مستنيرة، كما يشجع الاحترام والتنوع، ويساعد الطلاب على تطوير فهمهم للقيم الأخلاقية المختلفة، مما يمكنهم من احترام وقبول الآخرين من خلفيات وأفكار متنوعة.

كما يساعد تدريس الأخلاقيات على تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، مما يساعد على العمل نحو بناء مجتمع أكثر عدلًا وإنصافًا، واتخاذ قرارات سليمة بشأن الصدق أو النزاهة أو الأخلاق في مكان العمل. كما يساعد تعليم الأخلاقيات المواطنين على أن يصبحوا أكثر فاعلية، من خلال فهم حقوقهم ومسؤولياتهم كمواطنين، مما يمكنهم من المشاركة بفاعلية في المجتمع.

وإن كان تدريس الأخلاق يواجه بعض التحديات والصعوبات، ومنها كيفية الموازنة بين تنوع وتعقيد وجهات النظر والمواقف الأخلاقية والحاجة إلى الوضوح والاتساق في التفكير الأخلاقي والأحكام، واحترام تنوع خلفيات الطلاب وثقافاتهم وآرائهم، مع مساعدتهم أيضًا على تطوير إطار أخلاقي مشترك ولغة مشتركة.

والتحدي الآخر هو كيفية تحفيز الطلاب وإلهامهم للاهتمام بالأخلاق وتطبيقها في حياتهم. ويحتاج المعلمون إلى جعل الأخلاق ذات صلة ومعنى من خلال إيجاد طرق تجعلها أكثر جذبًا للاهتمام، فعندما يرى الدارسون للأخلاق كيف يمكن لها أن تؤثر على حياتهم اليومية، يصبحون أكثر اهتمامًا بها. كما أن تدريس الأخلاق يحتاج إلى استخدام الأساليب والمعايير المناسبة لقياس المعرفة والمهارات والمواقف والسلوكيات الأخلاقية لدى الطلاب، مع توفير التوجيه البنّاء.

وذلك من خلال استخدام مجموعة متنوعة من الأساليب لمساعدة الطلاب على تطوير أخلاق قوية، ومنها تفعيل نموذج لاتخاذ القرار الأخلاقي يرتكز على مبادئ أخلاقية محددة، واستخدام دراسات الحالة والأنشطة التفاعلية.

وعلى صانع القرار التعليمي ضرورة دمج الأخلاق في جميع المواد الدراسية والتخصصات، فكل العلوم تحتاج إلى الوعي بالأخلاق بصفة عامة، وبأخلاقيات هذا العلم بصفة خاصة، ومن بينها علوم الإعلام واللغة والطب والهندسة والذكاء الاصطناعي وغيرها، بحيث يصبح الدارس على وعي بالأخلاقيات، ومن المهم أن تكون البيئة التعليمية داعمة ومشجعة للحوار الأخلاقي.

ويجب أن يكون المعلم نموذجًا للأخلاقيات، وفي مقدمتها أن يكون الأساتذة صادقين في عملهم الأكاديمي، مثل إجراء البحوث، ونشر الأوراق العلمية، وتدريس المواد، وتقييم الطلاب، وأن يتجنبوا أي شكل من أشكال الاحتيال أو التلاعب بالبيانات أو المصادر.

وأن يكونوا صادقين في سلوكهم المهني، مثل احترام المعايير الأخلاقية والقوانين الخاصة بتخصصهم، وحماية حقوق الملكية الفكرية للآخرين، وتجنب أي تضارب في المصالح أو الالتزامات. ويجب عليهم أيضًا الحفاظ على كفاءتهم والعمل في مجال خبرتهم وتحمل المسؤولية عن أفعالهم وعواقبها على أنفسهم وعلى الآخرين.

وهناك نقطة أخيرة يجب التركيز على ضرورة الربط بين القانون والأخلاق، حيث يهدف كل من القانون والأخلاق إلى ضبط السلوك الاجتماعي للأفراد، وذلك بغية الحفاظ على حقوق ومصالح ومشاعر المواطنين وعدم تعرضهم للإيذاء أو الضرر. وإذا كانت الأخلاق ذات طبيعة مثالية تسعى إلى تحقيق ما ينبغي أن يكون، فإن القانون ذو نزعة واقعية يسعى إلى تحقيق الممكن والمتاح.

وأهم ما يميز القواعد القانونية عن قواعد الأخلاق هو «الجزاء» أو العقاب المادي الذي يتم توقيعه على من يخالف القانون، فهي ملزمة بمعنى أنها مزودة بجزاء مادي. فالقواعد القانونية تتميز بأنها مؤيدة من قبل الدولة التي تستطيع أن تفرضها بالقوة حين الاقتضاء، أما القواعد الأخلاقية فإن الذي يفرضها على المرء هو ضميره ووجدانه أو الضمير العام في المجتمع، ولكن دون تدخل من قبل الدولة، أي دون وجود جزاءات وعقوبات مادية فورية تحل بمن يخالفها.

وهو ما يجعل الرهان على الالتزام الأخلاقي وحده غير كافٍ حاليًا، في ظل انتشار الرذائل الأخلاقية في مجتمعاتنا العربية، وسريانها سريان النار في الهشيم، والأدهى من ذلك الاعتياد على ممارسة هذه الرذائل الأخلاقية بسبب غياب الجزاءات والعقوبات المادية الفورية التي تحل بمن يخالفها، وكأننا نمارس طقسًا من طقوس حياتنا اليومية المعتادة.

إذن، فلا غنى لأي مجتمع سليم عن القانون والأخلاق معًا، وليس أحدهما بديلًا عن الآخر، كما لا يمكن الاستغناء عن أي منهما؛ فالقانون تضعه الدولة وترعاه لسلامة المجتمع، في حين أن الأخلاق هي وظيفة المجتمع ومسؤوليته لرقي الفرد وسموه.

إن الحاجة إلى مشروع قومي لتعليم الأخلاق ضرورة وطنية يجب التكاتف من أجل تفعيلها وربطها بالمجتمع كله في جميع مجالاته وتخصصاته، من أجل إعادة بناء الإنسان المتزن الواعي بحقوقه وواجباته لصالح بناء المستقبل بإذن الله.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة