من التحولات الثقافية والاجتماعية الكبرى التي أفرزتها الفضاءات الرقمية في مجتمعنا المعاصر، ظاهرة السيولة المعرفية وتآكل مفهوم التخصص، والتي تجلت بوضوح في صعود ما يمكن أن نطلق عليه سوسيولوجياً "متلازمة الخبير الافتراضي". لم يعد طريق كسب الثقة المجتمعية والمعرفية يمر عبر سنوات الدراسة الأكاديمية الطويلة، أو الجهد البحثي الشاق في أروقة الجامعات، بل بات يكفي امتلاك هاتف ذكي، وإضاءة جيدة، وحساب موثق على منصات التواصل الاجتماعي، ليتحول صانع المحتوى في لحظة خاطفة إلى مرجع يفتي بجرأة في الطب النفسي، وعلم الاجتماع، والعلاقات الأسرية، وحتى في أعقد القضايا الاقتصادية والقانونية.
هذا التحول الخطير يقدم للجمهور كبسولات معرفية سريعة وسطحية، تخاطب مجتمعاً يبحث بلهفة عن حلول سحرية عاجلة لمشكلات حياتية ونفسية شديدة التعقيد. وفي ظل هذه السيولة، تتآكل سلطة المؤسسات الأكاديمية والتخصصية التقليدية لصالح سلطة الانتشار وحجم المتابعين. لقد أصبح الشاب أو الفتاة الذي يعاني من أزمة نفسية أو تشتت أسري، يميل إلى الاستماع لنصيحة مدتها ستون ثانية يلقيها بلوجر بأسلوب استعراضي، مفضلاً إياها على اللجوء لمتخصص أمضى عمره في دراسة تشعبات السلوك الإنساني. والنتيجة الحتمية لذلك هي شيوع أنماط من الوعي المشوه، وتعميق حالة التخبط الاجتماعي بدلاً من علاجها.
إن الوصفات الجاهزة والنصائح المعلبة التي تبثها الشاشات تعجز تماماً عن فهم خصوصية وتفاصيل كل حالة إنسانية، بل وتكرس في أحيان كثيرة لسلوكيات تدميرية. فكثيراً ما نرى نصائح تدفع نحو إنهاء علاقات أسرية مستقرة، أو التمرد غير الواعي على الأنساق الاجتماعية، تحت مسميات براقة مثل التحرر، أو التنمية الذاتية، أو الطاقة الإيجابية. هذا الاستهلاك المفرط أو ما يمكن تسميته بوجبات المعرفة السريعة يفقد الإنسان قدرته على التفكير النقدي العميق، ويجعله فريسة سهلة للتلاعب الفكري والنفسي من قبل أشخاص لا يملكون من أدوات المعرفة سوى مهارة الحديث أمام الكاميرا وتصدر محركات البحث.
إن استرداد قيمة التخصص المعرفي لم يعد مجرد رفاهية أكاديمية، بل أصبح معركة حقيقية وضرورة وجودية لحماية عقل المجتمع وتماسكه الأخلاقي. على المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية الرسمية، والنخب المثقفة، ألا تكتفي بمقعد المشاهد أو المتعالي على هذا الفضاء، بل يجب أن تنزل إلى الميدان الرقمي بقوة وفاعلية، لتقديم المعرفة الرصينة والموثوقة بلغة جذابة وبسيطة قادرة على منافسة لغة منصات التواصل الاجتماعي. إن احترام التخصص ووضع حدود للمدعين ليس تقييداً لحرية التعبير كما يروج البعض، بل هو صمام الأمان الذي يمنع تحول المعرفة الإنسانية إلى تجارة رخيصة، ويحمي الأجيال الجديدة من الاندفاع الأعمى خلف سراب النصائح الوهمية التي قد تدمر استقرارهم النفسي والاجتماعي.