لم تكن إلا امرأة فقدت الثقة بكل شيء يحيط بها؛ فقدت الثقة بالحياة نفسها، تجهّمت لها، واستعدّت للحرب. لم تكن حياتها سوى حلبة قتال لا ينتهى، كل يوم فيها جولة جديدة. كانت تشتبك مع كل من يسعى على قدميه، لا تستثنى أحدًا.
تقول الأيام والسنون إنها كانت على حق؛ فكثير من الناس تراه - فى نظرها - حيوان شرس، بل أشد قسوة، إذ لا يعرف وفاء الكلب لصاحبه، ولا يملك رحمة فى قلبه إلا إذا كان لها مقابل. وكانت تجاربها قد منحتها وعيًا قاسيًا بالحياة، حين زجّت بها الظروف فى ساحة الصراع. عندما ذهبت للسوق للمرة الأولى لتخوض غمار الشقاء، وتبدأ رحلة الكد، التهمتها الأنظار الجائعة، فهى فتاة فى العشرين، أرملة سحقت قلبها الحقيقة المرة، وبيعت لها بضاعة بائرة. خسرت بسببه رأس مالها الصغير الذى اقترضته من أمها.
فى الجولة الأولى، مُزّقت...
لم تكن تعلم أن للإنسان أنيابًا، ولا أن وجهه قد يكون قناعًا يخفى وحشًا. ركلتها الأقدام، وصفعتها أيادى القدر، وتهشّمت روحها الغضة. سقطت مبهوتة، وقد أُخذت على حين غرّة. كان بكاؤها، وعيناها المحمرّتان، كفيلين بأن يثيرا الشفقة… لكن أحدًا لم يلتفت.
كانت الجروح عميقة، لكن جروح الروح كانت أعمق هى التى بدّلتها، وجعلتها تقف صلبة، تتخذ قراراتها، وتمحو ما تبقى من ماضيها.
كانت فى العشرين حين دخلت تلك الحلبة - حلبة الموت أو الحياة، هناك، حيث الإنسان مخلوق مقنّع، لا يُعرف وجهه الحقيقى إلا بعد سنوات، وقد تموت دون أن تدركه. كان درسًا قاسيًا، لكنه أنقذها: لم تمت، بل تعلّمت.
تعلمت أن الرحمة فى هذا العالم كلمات جوفاء، وأن الحياة تُنتزع انتزاعًا
فتسلّحت، ودخلت المعركة وهى تعلم أن الخروج منها إما نصر أو فناء.
لكنها لم تكن وحدها، كان خلفها طفلان، من أجلهما، اشتدّ تمسكها بالحياة. لو سقطت، سقطا معها. ولو ضعفت، دهستهما الأقدام. فارتدت قناع الذئاب، وصارت قاسية، شرسة، لا تبتسم إلا بوجهٍ مركّب، ولا تثق بأحد.
كبر القناع حتى صار الحقيقة، ومع السنوات، نسيت من كانت، لكن المأساة لم تكن فيها… بل فى طفليها، لم يعرفا منها إلا الوجه القاسي، كانت تطعمهما وتحميهما، لكنها نسيت أن تمنحهما الحنان. عندما يعود إليها طفلها باكيا، لأن زميلاً صفعه، أخذ أدواته، أو أنه لم يشاركه أخرين لعبة، لم تمسح على رأسه، لم تحتضنه، ولم تمنحه دفء الكلمة. فإذا عادا من المدرسة، لم يكن ينتظرهما سوى الجليد فى زوايا الغرفة القديمة، وسقفها الخانق، أرادت لهما أن يواجها الحياة الصعبة، علّمتهما القسوة، أرادت لهما أن يكونا بلا شعور ليبقيا وينتصرا فى صراعهما مثلها… لكنهما لم يكونا. علمتهما القسوة كيف يبحثان عن الحب، يتتبعان أثره، يتحسسان فى الظلام وجوده.
كبر الطفلان، وكبر الجدار، كانا يعلمان أن هذه المرأة أمهما، لكنها كانت بالنسبة لهما جدارًا: يحمى، نعم… لكنه لا يشعر.
وفى النهاية، كسبت معركة الحياة، وخسرت قلبَى طفليها.
عرفت طريق الوجود... وضلَّت طريق الوصول إلى المعنى.