يمثل كتاب "الأدب الصغير والأدب الكبير" لعبد الله بن المقفع محطة مهمة في تاريخ النثر العربي، فهو ينتمي إلى مرحلة مبكرة تشكلت فيها الكتابة النثرية بوصفها أداة للتفكير والتوجيه وصياغة الخبرة الإنسانية .
وابن المقفع، المتوفى سنة 142هـ، من كتاب القرن الثاني الهجري، ولد في بيئة فارسية، ثم صار اسمه عبد الله بعد إسلامه، وعرف بصلته بعالم الكتابة والدواوين، وبحضوره في مرحلة الانتقال من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية، وقد جمع في تكوينه بين ثقافتين، الثقافة الفارسية التي حملت رصيدًا واسعًا من الحكم والآداب، والثقافة العربية التي منحته اللسان والأسلوب والقدرة على التأثير.

الأدب الكبير
معنى الأدب عند ابن المقفع
لا يأتي الأدب في هذا الكتاب بمعناه الجمالي وحده، وإنما يأتي بمعنى أوسع هو تهذيب النفس، وتدريب العقل، وحسن التصرف في شؤون الحياة، فالإنسان عند ابن المقفع يحتاج إلى أدب يعينه على التمييز وحفظ التجربة ووضع القول والفعل في موضعهما الصحيح.
ومن هنا تبدو قيمة الكتاب في أنه يتعامل مع الأدب بوصفه معرفة عملية، فهو يربط بين العقل والسلوك، وبين الحكمة والتجربة، وبين صلاح الإنسان لنفسه وصلاحه في علاقته بالناس.
الأدب الصغير
في "الأدب الصغير" يتجه ابن المقفع إلى الإنسان قبل دخوله في علاقات السلطة والصحبة، يبدأ من العقل ومن الحاجة إلى التعلم وحفظ القول النافع وتعهد المعرفة حتى تصير قابلة للعمل.
وتظهر في هذا الكتاب فكرة مركزية واضحة وهي أن المعرفة تحتاج إلى طلب، والطلب يحتاج إلى تثبت، والتثبت يحتاج إلى وعي وحفظ، ثم تأتي المرحلة الأهم، وهي وضع الأمر في موضعه، بهذا المعنى يصبح الأدب تدريبًا مستمرًا على حسن النظر وحسن الاختيار.
الأدب الكبير
يتسع "الأدب الكبير" لدائرتين أساسيتين في حياة الإنسان والمجتمع؛ دائرة السلطان، ودائرة الأصدقاء.
في باب السلطان، يقترب ابن المقفع من عالم الحكم والإدارة من زاوية الآداب المطلوبة في تدبير السلطة، فالسلطان يحتاج إلى رأي ومشاورة وحسن اختيار ومعرفة بطبائع الرجال، وتكشف هذه المعالجة عن خبرة كاتب عرف الدواوين، وأدرك أن السياسة تحتاج إلى عقل منظم، وسلوك منضبط، وقدرة على تقدير العواقب.
وفي باب الأصدقاء، ينتقل الكتاب من المجال العام إلى المجال الإنساني المباشر، فالصداقة عند ابن المقفع تقوم على الاختيار والتجربة وحفظ المودة ومعرفة طبائع الناس، ومن هنا يصبح الصديق امتحانًا للأخلاق، لأن العلاقة بين الناس تكشف الصبر، والوفاء، وحسن العشرة، والقدرة على احتمال الاختلاف.