ثلاث عشرة سنة مرّت على الثورة، تغيّرت كثير من الأُمور، وازداد الإخوان سوءا عمّا كانوا، وما نفدت طاقة الحدث ودروسه من وقتها، وسيظل صالحًا للمراجعة والاعتبار لأمدٍ أطول كثيرا.
تحل الذكرى خلال أيام، على ما اعتادت الدولة والمصريون الاحتفال، إنما بشكل شخصىٍّ أرى الشهر كاملاً مناسبةً تستحق الإحياء، وفرصة لا أُفوّتها للتأمُّل فى الوقائع وتتابُعِها، ما خَفِى علينا منها أو علمناه، وما قَدَّم لها أو ترتَّب عليها.
بمنطق العلامات وعلم الدلالة، أو السيميولوجيا كما يقول أهل اللغة والأدب، فأوّل عتبة نصيّة للمفردة سترُدّنا للوراء ستّة عقود تقريبًا.
كانت هزيمة يونيو لحظة انكشاف وانكسار، لكنّ درسها الأكبر تأتّى سريعًا، فى غضون ثلاثة أسابيع أو أزيد قليلاً، مع معركة رأس العش، كانتفاضة لازمَتْ الانتكاسة، ودلّلت على أن مصر لا تنام على ضَيم، ولا تُسلِّم لظالمٍ.
إنها العبرة التى كان يتعيّن على الجماعة الإرهابية الالتفات إليها، لا سيّما أنها صعدت فى أجواء غضب، تحت ستار الفوضى والتوتر، والتوقُّع السليم أنّ ما استغلّته فى التمكين قد يرتدّ عليها، فتتسارع التفاعلات عن الأحوال العادية، وتحترق المراحل بأضعاف قدرتها على التكيُّف والاحتيال.
أتذكّر من يونيو ما كان قبل يناير 2011، وتحديدًا قضية الشاب السكندرى خالد سعيد، وبعيدًا من التفاصيل، فقد استغلتها التيّارات الأُصولية مع بعض أطياف اليسار، خاصة الاشتراكيين الثوريين، فى الحشد والتوجيه، ورفع حرارة الشارع وصولاً للانفجار.
بعد سنةٍ، كانت مصر فى مخاض عسير، وبينما تتلمّس حكومة عصام شرف الطريق، والجميع فى مناكفات مع الجميع، كانت عصابة مكتب الإرشاد تُرتّب أوراق السياسة والتقيّة والصفقات المشبوهة، وخطط التمازج مع الأحزاب والسياسيين، لاستغلالهم قبل الْتِهامهم كالعادة.
يُذكَر من تاريخ حسن البنا أنه زجّ رجاله لاختراق القوى السياسية، فوصل حارسه الشخصى مثلاً لموقع قيادى بالحزب الشيوعى.
كما سعى إلى توطيد علاقته بالقصر على حساب الوفد، فيما كان بعض عناصره أعضاء فيه، ومنهم الشيخ الشعراوى بالمناسبة.
وبعد ثورة يناير، رأينا وجوهًا تُقشّر جلدها الليبرالى أو اليسارى، لتبين عن ملامح إخوانية كالحة، وجاهر آخرون بعضويتهم السريّة فى الجماعة.
ودُفِع سواهم لإنشاء أحزاب على طَرفٍ بعيد، بغرض التفرقة والتقسيم وإضعاف الجبهة المدنية، مع الإمساك بطابورٍ خامس، رهن الإشارة بحسب الحاجة والمصلحة.
ادّعت أوّلَ الأمر أنها ستُنافس ولن تُغالِب، ثم انقضّت لتقضم البرلمان بغرفتيه. حمل لها يونيو حُكم حلّ مجلس الشعب، لعوارٍ شاب القانون، وما اتّعظت أو قدّمت العام على الخاص، والوطنى على الأيديولوجى بامتداداته العابرة للحدود.
أمّا المحطّة الأكثر بؤسًا وكوميديا فى آن، فكانت بين الاقتراع وإعلان النتائج فى إعادة الانتخابات الرئاسية.
زعموا الإرجاء، ثم فسّروه برغبة التلاعب، ليستقطبوا المُخالفين، ويُحيّدوا التناقضات الفكرية والعمليّة، مع تلفيق إجماعٍ غير حقيقىّ، والانطلاق من نقطة غُفران تُوطِّد لهم أن يستبدوا بالأمر.
دُعِىَ عشراتٌ من بقيّة التيّارات لمؤتمر فى فندق فيرمونت، تمخّض فوَلد فأرًا نحيلاً وأجرب، عندما خرج محمد مرسى على المنصة مُحاطًا بوجوه باردة، ليُعلن التوافق على عدّة نقاط.
كلامٌ عن الشراكة الوطنية والمشروع الجامع، وعن مجلسٍ رئاسى بالجميع، وحكومة غير مُلوّنة يرأسها مستقل، وفريق لإدارة الأزمات، وتوازن فى تشكيل الجمعية التأسيسية وكتابة الدستور، والشفافية مع الشعب فى كل التفاصيل.. ستُّ تعهُّدات، وصفر التزام!
تذكّرت المشهد بحذافيره، عندما رأيت مؤخّرًا إعلانًا عن فعّالية فاقعة الشكل والمضمون، وضعها أحد تابعى الجماعة الهاربين عبر حساباته، مشمولة بصور مُشاركين من مصر وعِدّة دول.
عنوان عن الحوار مع أوروبا، وخليط من الإخوان وسواهم، أو مطاياهم الماركسية، من عيّنة المنصف المرزوقى، الذى نصّبوه رئيسًا فى تونس، ومرّروا به ومن وراء ظهره ما أرادوا لحين ابتلاع الدولة.
رأيت ضمن الألبوم كاتبًا درس العلوم الاجتماعية، كان مع قطيع فيرمونت، حضر لقاء الساعات السبع، أكل وشرب، ثم زاغ قبل التصوير.
كما رأيتُ طبيبًا يتقمص شخصية المُفكّر، يبحث دائمًا عن دور، حتى أنه كان مقاول الهدم للحزب الوطنى، لمُجرّد الصفة وأن يتمسّح فى مقاعد قادته الراحلين!
محاكاةٌ ركيكة لقصّة «حصان طروادة»، فكأن فريقًا من البشر لا يملّ تكرار خطاياه، ولا أن يكونوا حميرًا خشبية يُخبّئ فيها المُحتالون مُؤامراتهم، أو يتقافزون على ظهورها للإهانة والاستعراض.
مرّت الأيام، واكتشف المخدوعون فداحة ما جنوه على أنفسهم والبلد، فاستفاق بعضهم وظلّ البعض على الكِبر والمكابرة، فيما أخذ الشباب زمام المبادرة، فكانت حركة «تمرد».
إعلان فى أواخر أبريل، وانطلاق ميدانى مطلع مايو، ونحو سبعة أسابيع وصلت خلالها لـ22 مليون توقيع، ودُعِىَ للتظاهر فى 30 يونيو تحت سقفٍ وحيد: إجراء انتخابات رئاسية مُبكّرة.
كان الأمر تقنيًّا أقربَ لسحب الثقة، بأغلبية تفوق ما تحصّل عليه مُرشّح الإخوان، وتكاد تُلامس إجمالى المصوّتين.
غلّب الإخوان ثقتهم فى التنظيم، وفى غبائهم.. استبقوا موجة الرفض بحشد قطعانهم فى ميدان رابعة قبل عشرة أيام، وتلقّوا مُهلة الأسبوع من القوات المُسلّحة، باستفزاز «مرسى» للشعب والمُؤسَّسات فى خطاب سمج لنحو ثلاث ساعات يوم 26 يونيو.
ردّ الغاضبون بالتجمّع فى التحرير، وتصاعد الزخم، واحتشد الملايين فى القاهرة والمحافظات. مُهلة جديدة لـ48 ساعة، وغباء أكبر، وانفجار يلوح فى الأفق، لولا استدرك العقلاء بخارطة الطريق.
وكان بإمكان المرفوضين شعبيًّا أن يتوقّفوا، للتدبر فالاعتذار والتصويب. إنما أعلنوا الحرب، وجاهروا بالعداء للوطن قبل المواطنين، وما زالوا.
وسلوكهم مع مطاياهم يومها، ومنه للآن، يؤكّد أن ما تحت الجِلد منذ تأسيسهم طغى على ما زعموه بالاصطناع، وأن نعمة العقل لا تُؤتَى لكثيرين، وثورة 30 يونيو كانت ضرورةً لا مواءمة فيها، ولا مَحيد عنها أو بديل.