لماذا ننتصر للحياة بهذا الشكل، إذا كان نصيبنا منها كثيرًا من الركل والخذلان؟ لماذا نلهث وراء سراب زائل، ونتعلق بحطام مؤقت، ونمنح قلوبنا لها رغم أنها لا تكف عن صفعنا؟ إنها تبتسم ابتسامة خافتة، ومن وراء ابتسامتها زمهرير يحرق الوجوه، وسواد قاتم يطوق الأرواح. تمنحنا أملًا واهيًا، ثم تسحبه في اللحظة التي نظن أننا أمسكنا به.
للحياة عادات غريبة؛ نقسو عليها في لحظات اليأس، ثم نعود إليها معتذرين. نلعنها حين تؤلمنا، ثم نتشبث بأهدابها حين تمنحنا ومضة فرح عابرة. نحن جموع البؤساء الذين لا يشبعون من لطماتها، ولا يكفون عن طلب رضاها. تبقى تلك القوة الصاعدة في النفوس، التي تمتلكنا وترهبنا، وتميل بنا حيث تشاء، فنخضع لها رغم كل شيء.
غير أن الحياة لا تبدو عادلة دائمًا. فهي كثيرًا ما تحابي القادرين، وتضيق على الضعفاء، وتمنح بعض أبنائها ما تشح به على آخرين. كأنها تمسك بيد الظلم أحيانًا، فتتركه يجلد ظهور الأبرياء، ويثقل كاهل المنهكين من عناء العمل وشظف العيش.
ومن بين أولئك الذين خاصمهم الحظ طويلًا، كان الشاعر أمل دنقل.
كتب في قصيدته «ضد من؟»:
«في غرف العمليات
كان نقاب الأطباء أبيض،
لون المعاطف أبيض،
تاج الحكيمات أبيض،
أردية الراهبات، الملاءات، لون الأسرة،
أربطة الشاش والقطن،
قرص المنوم، أنبوبة المصل، كوب اللبن...
كل هذا البياض يشيع بقلبي الوهن،
كل هذا البياض يذكرني بالكفن!»
هل كان الألم يترصده منذ البداية؟
ربما. فقد كتب عليه الشقاء مبكرًا. ففي سن العاشرة فقد أباه، وفقد معه السند والأمان. والأب ليس مجرد شخص في حياة أبنائه، بل هو شعور بالقوة، وطمأنينة تسند الروح حين تعصف بها المخاوف. وحين يرحل الآباء، تتغير أشياء كثيرة؛ تتبدل نظرات الناس، وتسقط الأقنعة، ويشعر الابن أن جزءًا من الحماية قد دفن مع من رحل.
مات الأب، فأظلمت الحياة في عيني الطفل، وحفرت أول أخاديد الحزن في روحه. ثم توالت الضربات، حتى تراكمت الآلام عامًا بعد عام، وصارت جبلًا ثقيلًا يحجب ضوء السعادة مهما حاول أن يتسلل.
كان أمل شاعرًا حقيقيًا، يكتب من جرحه. لم تكن قصائده ترفًا لغويًا، بل كانت صرخات خرجت من قلب عرف الخسارة والوجع. كان يرسم بالكلمات صورًا حادة كالسكاكين، فتولد قصائده مشبعة بالحزن والتمرد، قادرة على أن تجد طريقها إلى القلوب.
حاول أن ينتزع من الحياة لحظات فرح قليلة، وأن ينسى بعض ما أثقل روحه، لكن الجرح كان أعمق من النسيان. ثم جاءت الضربة الكبرى.
ابتسمت له الحياة من بعيد، فمد يديه إليها، لكنها باغتته بطعنة جديدة. أصيب بالسرطان، وبدأ المرض ينهش جسده ببطء قاسٍ. كان يتراجع أحيانًا، ثم يعود أشد فتكًا، وكأنه مصرّ على استكمال معركته حتى النهاية.
في غرفة المرض الطويلة، صار الألم رفيقًا دائمًا. كان الجسد يضعف يومًا بعد يوم، بينما تزداد قسوة المواجهة. وهناك، وسط البياض الذي يملأ المستشفى، رأى الشاعر ما يشبه الكفن قبل أن يأتي أوانه، فكتب واحدة من أكثر قصائده صدقًا ومرارة.
كانت معركة غير متكافئة؛ شاعر يحمل ما تبقى من إرادة، ومرض لا يعرف الرحمة. وكلما حاول الجسد المقاومة، عاد الوجع ليؤكد حضوره. حتى بدا وكأن الألم قد انتصر أخيرًا، بعد أن رفع الجسد رايته البيضاء.
ثم صمت أمل...
صمتًا لا يعقبه كلام.
ورحل الشاعر الذي قضى عمره يقاوم القهر والموت بالكلمات. رحل الجسد، لكن القصائد بقيت شاهدة على ذلك الصراع الطويل؛ صراع إنسان أحب الحياة رغم قسوتها، وتمسك بها رغم أنها لم تمنحه إلا القليل.
رحل أمل دنقل، لكن صوته ظل حيًا، يردد في وجدان قرائه أن الهزيمة الحقيقية ليست في الموت، بل في الاستسلام له قبل أن يأتي.