حازم حسين

الفن والقوة.. مدرستان بفِناء واحد

الأربعاء، 24 يونيو 2026 02:00 م


أقل من سبع عشرة سنة بين عراقجى وترامب؛ لكنها تعكس فارقًا عريضًا فى اللغة والإيقاع، وفى الأفكار التى تُشكِّل محور المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران.

لا وجه للمقاربة؛ إذ العجوز رئيس له مُطلق القرار، والدبلوماسى الستينى ليس الرجل رقم اثنين ولا حتى عشرة فى فريقه. وهذا صحيح ظاهريًّا؛ غير أنهما فى الواقع على خطٍّ واحد.

كل شىء لدى الأول خلاف الثانى تماما؛ وإن بدا مُطابقا فى الهيئة العامة. كأنهما قُطبا مغناطيس، أو انعكاس للصورة نفسها فى مرآة.

فريقان فى لُعبة جماعية، أحدهما له قائد معروف، وجمهرة لاعبين؛ لكنه يفرض شخصيته عليهم بالترهيب أو الترغيب، فيتكلمون جميعًا بلسانه؛ وإن بَدَوا مُفوّضين بصلاحيات كاملة.

أمّا الثانى؛ فيُعوّل على المهارة الفردية، ينتقى مُحترفى المُراوغة؛ إنما تستغلق شخصية القيادة، أو يتنازع عليها أقوياء الفرقة فى الكواليس، وتنتهى الطاقة الفذّة للمهاجمين والمُدافعين بخيوط؛ كأنهم عرائس ماريونيت.

تبدّلت الوجوه والقبّعات، وتنوّعت مستوياتها، وظلت فلسفة الرئيس حاكمة فى الخشونة واللين. فيما طرف العمائم تتصارع مصارينه فى البطن؛ ثم يتجشّأ ببطء وحذر، ومع مراعاة إلا يُثير حفيظة الآخرين قدر الإمكان.

مدرستان يفتحان على فناء واحد. يستند الأمريكيون إلى كتاب سيِّدهم «فن الصفقة» الصادر قبل نحو أربعين سنة، بشراكة مع الصحفى تونى شوارتز.

والإيرانيون يقارعونهم بطبعة طازجة من إصدار وزير خارجيتهم، قوّة التفاوض، يُلخّص فيه تكنيك «تجّار البازار» من اتفاق أوباما حتى ما بعد حرب يونيو 2025.

تستند الفكرة الترامبية إلى الغِلظة والتحكُّم والتخويف، وعماد النظرية الفارسية فى المكر والمماطلة؛ فتقوم على الإرهاق لا الإرهاب، وعلى الاستنزاف الهادئ، لا التلويح بالذبح من الوريد إلى الوريد.

وأوّل مفارقة؛ أن الخشونة تتسمّى بالفن، والنعومة ترفع راية القوّة، وكلاهما يعملان وفق منطق واحدٍ: رفض العرض، تشديد المطالب، والضغط لتحصيل التوازن والوصول إلى أفضل الشروط.

تعذر الإكراه، وغاب التعقل. وكان الاشتباك منذ بدايته فى حيز «لعبة الدجاجة»؛ إذ يخسر اللاعبان، ولا يتراجع أحدهما فى انتظار أن يُبادر الآخر، بينما المكابرة والكبرياء يستحكمان، ويستنزفانهما معا.

ومع تلك النوعية من المخاطرة والعقليات، لا يطول الوقت غالبا قبل أن يُضطرّ الاثنان لإبطاء الاندفاعة، أو التوقف تماما.

وهكذا كانت الهُدنة فى أبريل احتياجا مزدوجا، وتمديدها أيضا، ومذكرة إسلام آباد مؤخرا، والصفقة المرتقبة رغم كل التحديات؛ ولو أنهما وقعاها لشراء الوقت، وبنية نقضها أو الانقلاب عليها عندما تحين سانحة!

نجح اللقاء الأول فى سويسرا، وتوصل إلى تفاهمات مرحلية مهمة، بحسب بيان الوسيطين، أبرزها استحداث لجنة عليا للإشراف السياسى، مع أربع مجموعات فنية تغطى قضايا النووى والعقوبات والإعمار ومراقبة التنفيذ، وآلية خاصة للتنسيق وتجنب سوء الفهم والحوادث العارضة فى مضيق هرمز، وأخيرا خليّة عمل لخفض التصعيد فى لبنان.

وصلت واشنطن إلى الحافة؛ فكان عليه أن تستدير للوراء بالكامل دفعةً واحدة. أداؤها فى الأسابيع الأخيرة لا يُشبه أول الحرب، وإقبالها على الدبلوماسية، وسخاؤها فى الترضيات، وأخيرًا رفع العقوبات عن النفط قبل يومين.

هُزِمَت إيران فى الميدان؛ لكنها انتصرت فى السياسة. لا يُمكن أن تُحمَل مقدّمات الاتفاق على غير ذلك، وباعتبارها تشى بالنتائج مُسبقًا؛ فالمُرجَّح أن تكون الصفقة النهائية أفضل.

والخشية من أن تسعى لصَرف ذلك فى مُحيطها، وإعادة تجديد المضامين المُستثناة من المفاوضات؛ فتتوسع فى برنامجها الصاروخى، أو تُنشّط دعم أذرعها من الميليشيات الولائية.

غير أن الغرور قد يقود صقور الجمهورية الإسلامية إلى الهاوية؛ فصلاحية الابتزاز بالمضيق قد لا تكون مُمتدّة، وقد حذر لاريجانى قبل مقتله من أنه للاستخدام مرّة واحدة، وصبر سيد البيت الأبيض مُمتدّ حتى الانتخابات بحدٍّ أقصى.

يُعزّز الاستخلاص، ما لوّح به السيناتور الجمهورى المتطرف ليندسى جراهام، وقد خرج من لقاء الخمس ساعات مع الرئيس؛ ليقول إن التعثُّر سيقود لسيطرة أمريكية على هرمز، مع فرض رسوم لتغطية التكلفة، وسحق إيران إن أمعنت فى التحدّى.

رسائل مقصودة من دون شَكّ، وقد لا تتوافر القدرة عليها راهنًا، أو الرفاهية السياسية والاقتصادية لاحقًا؛ إنما الإشارة أن السياق مُلتبس، وليس مقام نصر، ولا إملاء شروط، والاطمئنان إلى جدار الردع الواهى أصلاً.

طار الرئيس بزشكيان إلى باكستان، أمس، وقبل السفر قال كلاما كثيرا عن جهودها، وأردف بجُملة كاشفة ومُوجبة للتوقف عن حرصها على إبرام الاتفاق: «ربما كان أكبر من حرصنا نحن»!

ولا يُمكن اختزال التعبير فى فكرة المُجاملة، ولا أنها زلّة لسان. وبالنظر إلى أن المُرشد الأعلى أبدى امتعاضه من ورقة الإطار، وصرّح بأنه ما وافق عليها إلا بعدم تحمل الرئيس المسؤولية؛ فالمعنى هنا يبدو جليًّا، ومُزعجًا أيضًا.

دولة الملالى لست كتلة مُتجانسة، ولا على قلب رجل واحد. وهناك رافضون للاتفاق، قليلهم مُتحمّس وأكثرهم ذوو مصالح، وقد حُرِّكَت مظاهرات مُنظّمة ضدّ المفاوضات بالفعل.

تبدو المعركة الآن تحت ظلّ الغائب نائب الغائب، مُجتبى خامنئى، بصفته الولىّ الفقيه، وولىّ الدم، وصديق «وحيدى» وجنرالات الحرس، والرجل الذى لا تُعرَف حدود صلاحياته، وما إذا كان وصيًّا أم تحت الوصاية!

المفاوضات الحقيقية هناك فى طهران، على تركيبة النظام ما بعد الانكشاف، ومراكز القوى ومكاسبها، وعلى جُرح الكرامة ومساعى ترميمها، والأهم والأخطر على الشرعية.

بُنِى النظام على صفيحة تكتونية قلقة، الثورة الإسلامية، واستمدّ شرعيته من مزج العقائدى بالعِرقى، وإشهار راية القصاص من الأعداء جميعًا، فى التاريخ والجغرافيا، وحاضرًا أو بأثر رجعى.

نُصِّبت الولايات المُتحدة شيطانا أكبر، والمُحيط «يزيديين» عليهم ثأر الحسين، وقوى الاعتدال طابور خامس، أو العدو القريب الأولى من البعيد.

الاندماج فى المنطقة يُضعِف المشروع؛ فلا مُمانَعة ولا تصدير ثورة. ومُصالحة واشنطن تُسقِط الذريعة، وتتطلَّب سردية بديلة.

تراجعت الجيوش، وتقدم الدبلوماسيون، وكتاب ترامب يُقارع كتاب عراقجى، والفناء يضيق بالمدرستين وطلابهما، وقد لا ينجح أحد؛ أقله فى المدى المنظور!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة