محمود عبد الراضى

غرباء تحت سقف واحد

الثلاثاء، 23 يونيو 2026 10:29 ص


 

دخل بيوتنا ضيفاً خفيفاً، يحمل في جيبه وعوداً بالمعرفة وتقريب المسافات، ولم نكن نعلم أن هذا الضيف سينتهي به المطاف سيداً للمكان، يسرق أثمن ما نملك دون أن تسيل قطرة دم واحدة، أو يطرف لنا جفن.

إنه الإنترنت، ذلك اللص الصامت الذي تسلل عبر أسلاك خفية وموجات هوائية، ليجرد البيوت من دفئها الحقيقي، ويتركنا أسرى في غرف مغلقة، نعيش معاً تحت سقف واحد، ولكن في كواكب معزولة.

أول ما اختطفه الإنترنت من بيوتنا كان طقس "اللمة" وصوت الضحكات النابعة من القلب، تلاشت تلك السهرات العفوية التي كان يلتف فيها الجميع حول شاشة تلفزيون واحدة، يتنازعون على الريموت كونترول في ألفة، ويقتسمون "لب الحارة" وشاي العصاري.

اليوم، استبدلنا الشاشة الكبيرة بشاشات صغيرة فردية، وانزوى كل أفراد العائلة في ركن قصي، يبحثون عن صلات افتراضية مع غرباء، بينما هم يمارسون "الجفاء الفعلي" مع أقرب الناس إليهم.

تحولت البيوت من قلاع للأمان الاجتماعي إلى مجرد "فنادق للنوم" يجمعها جهاز راوتر واحد.

ولم يقف الطوفان الرقمي عند هذا الحد، بل امتدت أصابعه لتسرق "بركة الوقت" وحرمة الأسرار.

في الماضي، كانت مشاكلنا تُحل داخل جدران البيوت، وابتساماتنا تولد من مواقف حقيقية، الآن، أصبح كل شيء معروضاً في سوق "المشاهدات"، ومستباحاً على مذبح "اللايكات".

سُرقت منا الخصوصية دون أن نشعر، وأصبحت تفاصيل حياتنا اليومية طعاماً لخوارزميات لا ترحم.

حتى الأطفال، حُرِموا من متعة اللعب في ردهات المنزل وصناعة طائرات الورق، لتتحول طفولتهم إلى أصابع تتحرك بآلية فوق زجاج بارد، تلتهم عقولهم ألعاب إلكترونية صاخبة تعزلهم عن واقعهم.


المفارقة الساخرة أننا أصبحنا نملك آلاف "الأصدقاء" على منصات التواصل، بينما لا نجد من يربت على أكتافنا في لحظة حزن حقيقية داخل المنزل.

إننا نعيش عصر "التواصل الافتراضي والانفصال الفعلي"، حيث سرق الإنترنت منا متعة الإنصات، وعفوية الحوار، ولذة الدفء العائلي، ليترك لنا في النهاية بيوتاً مؤثثة بأحدث الأجهزة، لكنها خاوية من الروح.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة