نوشك أن نفعل فى نسخة واحدة ما عجزنا عنه فى ثلاثٍ سابقات، أو بالأحرى فيما يزيد على تسعة عقود، وُلِدَت فيها أجيال، ورحلت، وما رأت منتخبنا الكروىَّ يقفز لما هو أبعد من الوصول فحسب!
الفرحة حقيقية جدًّا، ومُستحَقّة بلا شَكّ، وتتضاعف بالقياس إلى طول انتظارها، وكتمانها زمنًا من دون ظرفٍ قاهر، أو مُبرِّرٍ مُقنع.
وكانت بلاد أصغر وأقل مكانة منّا، فى كل ما مضى علينا، تعبرُ إلى جوارنا سريعا، كما لو أننا نسابق قطارًا، بعربةٍ تجرّها أحصنةٌ عجوز.
تغلّب الفراعنةُ على نيوزيلندا بفارق هدفين، وسجَّلوا قبل الأهداف عودةً واثقةً وقويّة من التأخُّر فى شوط المباراة الأوّل. مع استدراكٍ للأخطاء، وتعديل كامل فى طريقة اللعب، لسَدِّ الثغرات وتعزيز الربط بين الخطوط.
وبالحسابات العقلية؛ فالغالب على التوقُّع أن نفوز بالمباراة. الفارقُ جَلىٌّ بين الفريقين، والمنافس فى الموقع الخامس والثمانين من تصنيف فيفا، مُتأخِّرًا عنّا بقُرابة سِتّين مركزًا.
غير أنه تعادل قبلنا مع إيران، السابقة فى الترتيب بتسعِ مراكز، فضلاً على أننا نتألَّقُ كعادتنا أمام الكبار، بينما خبراتُنا سيِّئةٌ مع الصغار!
كسرنا عُقدة النقاط الثلاث، ولله الفضل والمِنّة، وصعدنا نظريًّا إلى دور المجموعات.
نتصدَّرُ مجموعتَنا حاليًا، ولا نحتاج سوى نقطةٍ للحفاظ على الصدارة، شرطَ ألَّا تكسب بلجيكا مُباراتها المُقبلة بأكثر من هدفين.
وسوى ذلك؛ قد نحلّ بالتعادُل ثانيًا، وفى أسوأ الظروف؛ سنصعد ضمن أفضل مُنتخبات المركز الثالث.
قد لا يكون حسام حسن الأفضل، ولا التشكيلة الحالية من اللاعبين؛ إنما لا يُنكَر جهدهم الجماعىّ، ويحق لهم الفرح؛ إنما من مُبالغةٍ، يُخالطها سوء التقدير وخطأ الاستخلاص.
حقق حسن شحاتة ثلاث بطولات أفريقية مُتتالية، يحتل بها واجهة لوحة الشرف. وكان لاعبوه الجيل الأفضل على الإطلاق حتى الآن؛ لكنهم عجزوا عن بلوغ المونديال من الأساس.
يُعوّض الحاليون أخطاء السابقين جميعًا، بدءًا من نسخة 1934 التى اكتفينا فيها بهدفى عبد الرحمن فوزى، عن الهزيمة الثقيلة أمام المجر.
ثم 1990 وقد عشنا من وقتها على هدفٍ ونُقطتين، وأخيرًا روسيا 2018 بثلاث هزائم أسقطناها فورًا من الحسابات.
سبع مُباريات من ثلاث مُحاولات، وحصيلة إجمالية تُثير الأسى: تعادلان، خمس خسائر، وخمسة أهداف لنا واثنا عشر هدفا علينا.
أمّا فى 2026؛ فقد أحرزنا أربعة أهداف فى مباراتين فقط، حققنا فيهما نصف تعادلاتنا التاريخية، واستحدثنا نصرًا لم نُجرّبه من قبل، ولنا فارق هدفين، ويليق بنا الاحتفال بالعبور إلى الأدوار الإقصائية من الآن.
حللنا فى مجموعة جيّدة نسبيًّا، واستفدنا قطعًا من توسعة البطولة إلى مرّة ونصف حجمها المُعتاد.
وصلنا بسهولة، وسنصل كثيرًا، ولن يعود التوقيع بالحضور، ولا حتى التمثيل المُشرّف، أكبر الهموم ولا مُنتهى الغايات.
لأفريقيا عشرة مُمثّلين، وكانوا خمسةً قبل أربع سنوات. تضاعَفَت الفرص ومُعدّلات الوصول، وتيسّرت العتبة الأُولى فى كأس العالم؛ فلن يعود الصعود ولا عبور المجموعات بيضة الديك، ولن يكونا إنجازًا وقد فعلناهما، والرهان على التكرار.
أهمية ما تحقّق؛ أنه يُصفّر عدّاد الانتظار، ويبدأ الحسابات من منطقة بيضاء، لا انكسار فيها ولا آمال مُجهضة.
كان كل جيل يبدأ من الصفر؛ فإمّا يصل أو يتكسّر على صخرة المُحاولات. الآن سيُطلَب البناء على ما تحقّق، وإصابة مستويات أعلى شكلاً وأداءً.
تحرّرنا من اللعنة، وحُرِّر الجمهور من قيد البحث عن الضائع، والارتضاء بالقليل القليل منه. نتقدّم ليتعادل معنا الآخرون، من طينة بلجيكا، ونعود من الهزيمة لنفوز، ونصعد مُتصدّرين مجموعتنا، وقد نحلم بقفزة أخرى أو أكثر، وإن لم نُصِبها اليوم؛ فأقل مِنها غدًا سيكون فشلاً لا نجاحًا.
ولا يعنى هذا أننا اشترينا مقعدًا دائمًا فى البطولة، ولا قناة عبور آمنة ومضمونة لمراحلها التالية، أو أننا قد لا ننتكس، لا قدّر الله، فى المرّة الحالية أو أية نسخة مُقبلة؛ إنما أننا ذُقنا ثمرة الشجرة المُحرّمة، وعرفنا طعمها، ولن نندهش به مُجدّدًا، أو نقنع بالجلوس الجائع فى ظلالها مُستقبلاً.
حملت المُباراة إشارات ودلالات مُهمة: الصلابة، رباطة الجأش، القدرة على الاعتراف بالخطأ مع العمل على تصويبه.
ونسفت أوهامًا من عيّنة أن صلاح لا يلعب مع مصر كما يفعل فى ناديه، وقد كان الأبرز طوال اللقاء قبل خروجه، وأظهر شخصية قيادية واضحة، وما أعرفه أنه ألهب حماس زملاءه، وكان صاحب لمسة الإنعاش وشحذ المعنويات بين الشوطين.
لو أن الأجيال السابقة منحتنا ما يليق بنا؛ لكُنّا أغنى منذ زمن بعيدٍ عن الاحتفال بأقل مما بلغناه اليوم.. ولذا؛ يستحق الحاليون الاحتفاء والشكر، وتترتب عليهم وغيرهم ضغوط لا تهاون فيها لاحقا.
وعلى الجهاز أن يأخذ اللحظة بحقّها، ولا يكتفى نفسيًّا بالفرح الغامر؛ كى لا يتعثّر ماديًّا. التشكيل فى حاجة للمراجعة، فيمَن يُبدَأ بهم، ومَن يُدفَعون بشكل مُتأخّر، خاصة مرموش وتريزيجيه.
مرّ السهل؛ ولو اعتبرناه صعبًا بأثر العُقدة التاريخية المُستحكمة. القادم أصعب، ونحن أهل له، ولا ينقصنا شىء من مقدرة وطموح وإمكانات، والأهم من القيمة التاريخية، ومؤازرة شعبية لا مثيل لها فى المنطقة كُلّها.
ارتجلناها مرّات؛ فأخطأت كثيرًا وأصابت اليوم، ونحتاج لأن نفعلها بنظامٍ. وإذا كان الإخفاق دعوة للاستدراك؛ فالنجاح حافز ومطمع، وإن أُحسِن العمل عليه؛ فإنه أدعى لمزيد من الدأب المُخطَّط، وأقرب السبل وأقومها إلى نجاحات أكبر.