حازم حسين

حمار جحا ومسماره

الإثنين، 22 يونيو 2026 02:00 م


وبضدِّها تتميّز الأشياء، على ما قال الشاعر، فيُعرَف العقل بالجنون، والعكس، وتُبنَى المُفارقة على التناقض، بما تُولِّده من طاقة كشفٍ وتعبير ونقدٍ لاذع، وفى بيت الحُواة، لا أحد أمهر من زميله، ولا مجال للخديعة وسحر العيون!

يُقهقه الجمهور، ولا يبتسِم الممثّلون، لأنهم جميعًا يضعون أياديهم فى ماجور الضحك، ويُشكّلون عجينته باتفاق مُسبقٍ، وبمعرفةٍ خفيّة بالمَضمَر أو المُرجأ من النص.. وغيبة المُفاجأة أشدّ ما يخلق الاعتياد ويقتل الدهشة.

دُفِعَت الولايات المُتحدة للحرب دون ضرورة، وعادت منها كما ذهبت. والجمهورية الإسلامية ابتلعت عدوان السنة الماضية، ولم تستوعب الدرس أو تتّعظ بالسوابق، وكلاهما جلس إلى الطاولة مُضطرًّا، وفى نفسه «شىء من حتّى»، كما كان سيبويه، أو الفرّاء، على تعدُّد صور الرواية.
وإذا ذُكِر النحويّون تتداعى للذهن مُناكفات البصرة والكوفة، وبالتبعية يَرِد جُحا على الخاطر، إذ يُنسَب فى مصادر شتّى للعراق. وحتى مع القول بأصله الرومى، فالأناضول ليست بعيدة من فارس.

يُضرَب به المثل فى الحماقة والدهاء معًا، ويُنسَب إليه الشىء وضدّه، ولو على طرفى نقيض، حتى ليبدو أقرب للرمز من الواقع، وأشبه بأمثولة يُسقِط عليها الناس أفكارهم وهواجسهم، أو مرآة يتطلّعون فيها لِمَا يخشونه، أو يتمنّون أن يكونوه!

ولعلَّ ما يُفجّر الضحكات أنه يستجيب استجاباتٍ ماكرةً وغير تقليدية، إنما لا يُمتَحَن أصلاً إلّا لثقةٍ فى سعةِ معرفته واتّساع حيلته، فكأنه يتذاكى ويتغابى بقدرٍ، وحسب الحاجة والمصلحة.

ومِمّا يُروَى عن الرجل ونوادره، أنه كان فى مجلس أحد الملوك، وأراد الأخير أن يسخر منه على الملأ، فسأله إن كان قادرًا على تعليم حماره القراءة والكتابة، وما اشترط الماكرُ للقبول إلَّا أن يُمهله عشر سنوات.

وعندما لامَه الحضور على ما عَدُّوه انتحارًا، فسَّر بأنه استنقذ نفسه من بطش الحاكم، وأمَّنَ عِقدًا من رغد العيش، وعندما يحين الموعد لن تكون المُعادلة على حالها، فإما يموت هو أو الحمار أو الملك!

ويُستَشَعر شىءٌ من ذلك فى «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران، وفى إقبال الأخيرة على مفاوضات تمسّ ثوابتها، وتضطرّها لمجالسة شيطانها الأكبر، وقاتل مُرشدها الأعلى!
وفى المقابل، كأنَّ الأمريكيين ينزلون عن الشجرة قفزًا لا بالتدرُّج، ويحتملون الخدوش فى سبيل اتّقاء جراحٍ أكبر، أو الرهان على منافع يُوفّرها لهم إطفاء النار.
تنطبق القصة على الطرفين، فكلاهما يُقَطِّعُ الوقت، ويُراهن على تبدُّل الأحوال. ترامب يُجرّب الاحتواء بعد الصدام، على أمل أن يعتدل سلوك الدولة أو ينتفض الشارع.

والملالى وجنرالاتهم ينتظرون نتائج الانتخابات، ثمّ كيف يُمرّرون ما تبقّى من ولايةٍ رئاسية ستكون على الأرجح هادرةً ومُتقلّبة إلى المُنتهى!
يُستكشَف المسار ببطء، بينما خطّ الرجعة مفتوح دومًا. مُجتبى خامنئى أبدى امتعاضه من ورقة الإطار، وأنه ما أقرَّها إلّا بعد تعهُّد بزشيكان بتحمُّل المسؤولية، أى يقع العبء على الدبلوماسية، فيما يغسل الميدان يديه مبكّرًا جدًّا.

ما جرى للآن تفاهمات أوّلية، إنما سيكون على الإدارة الجمهورية أن تُخطر الكونجرس بأىِّ اتفاق يمسّ البرنامج النووى، بموجب قانون «إينارا»، الصادر بعد صفقة أوباما فى 2015، مع انتظار شهرٍ لحين الرفض، أو الصمت.

بإمكان الرئيس أن يتخطّى الاعتراض دومًا بالفيتو، ليفرض على المُشرّعين أغلبية الثلثين. صحيح أنها مُستحيلة الآن، لكنّ الأوضاع قد تختلف كثيرا أو قليلاً بعد نوفمبر، وقد يصطف بعض نواب حزبه مع الديمقراطيين، وربما لا ينقض الاعتراض أصلاً.

نظرية «الرجل المجنون»، يُقابلها توزيع الأدوار بين المحافظين والإصلاحيين/ حرس الثورة وطبقة الساسة البراجماتيين.
ولأنهما من مادّة واحدة، ويشتغلان بالطريقة نفسها، فقد ينطبق عليهما قانون نيوتن الثالث، فيبقى الوضع فى حال جمودٍ، أو يقع الخطأ العارض، وتنفجر الجبهة فجأة!

ضاق الطرفان بالحرب، ويُعوّل كلٌّ منهما على ضيق الآخر، ولديه نقطة حرجة يراها فى الضفّة المُقابلة، فيُثبّت عينيه عليها، ويتناسى شروخه وهشاشته.
نعود إلى «جحا» مُجدّدًا، وقد باع بيتًا عزيزًا عليه فى إحدى الحكايات، لكنه اشترطَ أن يحتفظ بملكية مسمار فى حائط صالته، وأن يكون له حقُّ الوصول إليه فى كل وقتٍ، وكيفما أراد.

مضت الأيام، وما انقطعت الزيارات. بل تعدّدت وامتدّت فى اليوم الواحد، وأصابت أوقات الطعام والراحة والخصوصية، حتى أنه كان يُعلّق عباءته وينام فى ظلّها. إلى أن ضاق المُشترى، فحزم حقائبه ورحل.

المثال الأقرب لدى إسرائيل، بسلوكها مع فلسطين وسواها. غير أن الولايات المتّحدة وإيران دقّتَا مساميرهما فى جدران بعضهما، ويجلسان فى انتظار مَن تُخلِى مكانها أوّلاً.

منحت واشنطن لطهران مكسبًا سهلاً، بتفعيل «وحدة الساحات» التى تعطّلت فى الحرب، لكنّ المفاوضات سمحت بها، وضمّت لبنان لأوراق الجمهورية الإسلامية.

وُضِع «حزبُ الله» طرفًا بجانب مُشغّليه، فى مقابل الدولتين الأمريكية والعِبريّة، فكأنه تحوّل من ميليشيا لقوّةٍ نظامية، من دويلة إلى دولة، وناب عن لبنان الرسمىِّ شكلاً وموضوعًا.. إنه مسمار فارسى، يُضاف لهُرمز.

تصفية النووى مسمار ترامب، وصندوق الاستثمار المُقرّر تمويله بنحو ثلاثمائة مليار دولار من أموال الآخرين، سيكون منفذًا للداخل الإيرانى، وأداةً للترويض والاحتواء، ومغازلة الشارع بالبدائل العملية.

تسحبُ كلُّ عاصمة حمارَها، وعينُها على مسمارٍ تركته وراءها. جُحا ينقسم على نفسه، أو يُطلّ ليرى انعكاس وجهه فى المرآة، وسواء كان ذكيًّا أو غبيًّا، فتكراره لا يُدهش ولا يحسم، ويُعيد إنتاج الصوت وصداه فى متواليةٍ دائرية، لا تصل ولا تنكسر!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة