تصاعدت حدة الانقسامات والصراعات داخل جماعة الإخوان بصورة غير مسبوقة، حتى تحولت الجماعة إلى جبهات متناحرة يتصارع قادتها على النفوذ و"الفلوس الحرام" وأموال التنظيم، التي أصبحت أحد أبرز أسباب الانشقاقات المتتالية التي تضرب الجماعة منذ سنوات، ولم يعد الخلاف مقتصرًا على تباين المواقف أو الرؤى التنظيمية، بل تحول إلى صراع مفتوح على السيطرة على التمويلات والاستحواذ على الموارد المالية ومراكز النفوذ داخل التنظيم.
وبات لكل جبهة مرشدها الخاص ومنصاتها الإعلامية وقنواتها الفضائية وشبكاتها التمويلية، حيث يقود محمود حسين إحدى الجبهات بعدما نصب نفسه مرشدًا لها، بينما يقود صلاح عبد الحق جبهة أخرى موازية ويقدم نفسه باعتباره المرشد للتنظيم، كما ظهرت جبهات أخرى، أبرزها جبهة "المكتب العام" التي انبثقت من تيار "الكماليين" المنسوب إلى القيادي الإخواني الراحل محمد كمال.
وخلال السنوات الماضية، تبادلت قيادات الجماعة الاتهامات بشأن الاستيلاء على الأموال والتمويلات الخاصة بالتنظيم، فيما كشفت تسريبات وشهادات صادرة من داخل الإخوان حجم الصراع الدائر حول الأموال والنفوذ، الأمر الذي أدى إلى تعميق الانقسامات وتفجير مزيد من الأزمات الداخلية.
وفي ظل هذه الصراعات المحتدمة على السلطة والمال، دخل قطاع واسع من شباب الإخوان في الخارج في حالة من الإحباط والغضب، بعدما اكتشفوا أن المعارك الدائرة بين القيادات لا تتعلق بالمبادئ أو الأهداف التي رفعتها الجماعة لسنوات، بقدر ما ترتبط بالصراع على الأموال والنفوذ ومواقع السيطرة داخل التنظيم، وهو ما أدى إلى تآكل الثقة بين القواعد والقيادات وتزايد حالة التذمر والانشقاق داخل صفوف الجماعة.
واعترف شباب الإخوان، أن التخوين والتكذيب والوشايات والصراع علي الأموال هي السبب الرئيسي وراء زيادة الانقسامات، كاشفين عن أن هناك جبهة أنشت جروب علي مواقع التواصل يحمل أسم "هموم إخواني" لفضح جبهة آخري.
دعوات المصالحة بين جبهات الإخوان في الخارج لن تنجح بعد التخوين والوشايات والصراعات
وأكد حسن العشري، أحد قيادات شباب جماعة الإخوان، أن أي دعوات للمصالحة بين جبهات التنظيم في الخارج مصيرها الفشل، مشيرًا إلى أن حجم الخلافات والصراعات التي شهدتها الجماعة خلال السنوات الماضية تجاوز بكثير مجرد الاختلاف في الرؤى أو الاجتهادات التنظيمية.
وقال العشري إن سؤالًا وُجه إليه حول إمكانية نجاح المصالحة بين إخوان الخارج، وكانت إجابته واضحة وحاسمة: "لا"، موضحًا أنه عاصر انقسام عام 2015، ثم انقسام عام 2021، وصولًا إلى أحدث الانقسامات التي شهدتها إحدى الدول الأوروبية خلال عام 2025.
وأضاف أن هذه الانقسامات لم تكن مجرد خلافات تنظيمية كما يحاول البعض تصويرها، بل سبقتها موجات من التخوين والتكذيب والوشايات والتبليغ عن بعضهم البعض، فضلًا عن ممارسات وصفها بأنها "سيئة للغاية"، مؤكدًا أن هناك وقائع وأحداثًا لا تصلح حتى للحديث عنها في العلن بسبب خطورتها وحساسيتها.
هموم إخواني تفضح الإخوان
وأشار إلى أن حجم الصراع الداخلي وصل إلى حد إنشاء مجموعات وصفحات تحمل اسم "هموم إخواني"، كانت مخصصة لفضح جبهة إخوانية أمام الأخرى وكشف ما يدور داخل التنظيم من صراعات وخلافات، معتبرًا أن هذه الواقعة تمثل مجرد نموذج صغير لما كان يحدث داخل الجماعة من تصفية حسابات متبادلة.
وأوضح العشري أنه بعد وفاة المهندس أيمن عبدالله الغني، مسؤول أسرته وعدد من الأسر الأخرى، جرى توزيع الأعضاء على مجموعات مختلفة، لافتًا إلى أنه خلال عام 2020 شهد بنفسه انقسام الأسرة التنظيمية الواحدة بين مؤيدين لجبهة محمود حسين وآخرين معارضين لها بسبب ما وصفه بحالة الفساد والفشل التي أصابت التنظيم خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن بعض مسؤولي الأسر كانوا يعلنون أنهم يقفون على مسافة واحدة من جميع الأطراف ويتقمصون دور الوسطاء، بينما كانوا في الواقع يعملون على النهش داخل الأسرة التنظيمية وترجيح كفة طرف على حساب الآخر، وهو ما أدى إلى زيادة الانقسام والتوتر بين أعضاء الجماعة.
الطرد لشباب الإخوان
وأكد أن أغلب النقاشات داخل التنظيم كانت تدور حول اللوائح والمواد التنظيمية وكيفية الحفاظ عليها، في الوقت الذي كانت فيه الأزمة الحقيقية أعمق بكثير، وتتعلق بانهيار الثقة وتفكك البنية التنظيمية والأخلاقية والسياسية للجماعة.
وكشف العشري عن تعرض عدد من شباب الإخوان لضغوط وإجراءات بسبب انحيازهم إلى "المكتب العام"، مشيرًا إلى أن بعضهم تعرض للطرد من أماكن إقامته بسبب مواقفه التنظيمية، كما جرى استخدام ملفات إنسانية حساسة، كوسائل ضغط في الصراع بين الجبهات المتناحرة.
وتساءل: كيف يمكن الحديث عن مصالحة بعد سنوات من التحريض والتخوين والتكذيب والوشايات والصراعات الشخصية والتنظيمية؟ وكيف يمكن إقناع أفراد التنظيم الذين عاشوا كل هذه الأجواء المشحونة بالعودة إلى العمل معًا وكأن شيئًا لم يكن؟
وأضاف أن السؤال الأهم يتعلق بما إذا كانت القيادات التي تطالب بالمصالحة ستلتزم فعلًا باللوائح والقواعد التنظيمية التي طالما تحدثت عنها، وهل سيعود من ابتعدوا عن التنظيم إلى الصفوف الخلفية وفقًا لما تنص عليه تلك اللوائح، أم أن هناك استثناءات ستظل حكرًا على القيادات فقط.
وشدد العشري على أن حجم الانقسامات والصراعات التي شهدتها جماعة الإخوان خلال السنوات الماضية يجعل فرص نجاح أي مصالحة شبه معدومة، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف تنظيمي، بل تحولت إلى حالة من فقدان الثقة والانقسام العميق الذي يضرب التنظيم من الداخل.