أكرم القصاص

محمد صلاح الاحتراف والتضحية.. صناعة واستهلاك النجوم والجمهور!

الثلاثاء، 02 يونيو 2026 10:00 ص


ربما تكون قصة محمد صلاح وحديثه عن التضحية أكبر من أن تكون موضوعا للانقسام بين جمهورين يرى بعضهم أن اللاعب لا يحق له الحديث عن التضحية، بينما هو يقبل أن يكون سلعة يتم استهلاكها بين الرأسمال والمدربين والملاعب وشركات الإعلام، ويكون عليه أن يبقى قادرا على تقديم عروضه بكل قوة ويفوز وإلا يتم استبداله، وفق ما كتبه الكاتب الأورجويانى ادوارد جاليانو فى كتابه «كرة القدم بين الشمس والظل» عن الاحتراف وكيف انتزع المتعة الأولية ليحولها إلى تجارة واللاعبين إلى أدوات، ويجعلهم يعيشون الرعب من شيخوخة تبدأ فى الثلاثين. هذه الكلمات من عاشق للكرة أصبح فيلسوفا لها، يمكنه أن يفسر مشاعر شاب مثل محمد صلاح يتحدث عن تضحيته بشبابه وهو فى الثالثة والثلاثين من عمره، أى أنه فى قلب الشباب، لكنه كلاعب يقترب من شيخوخة خلال أقل من عشر سنوات، فهل يمكن لمحمد صلاح أن يتفهم هذا، كما نجح فى الالتحام بعالم الاحتراف، وقد حاز على كل التشجيع والتصفيق بل وبلغ وعدد قليل من أمثاله ما لم يبلغه آخرون.


لقد كان محمد صلاح فى قمة نجوميته وهو فى الخامسة والعشرين، وهو الذى اختار هذا الواقع وعاشه واستمتع بما هو متاح منه، ماديا ومعنويا، ويصف جاليانو «اللاعب المحترف» بأنه أصبح مثل «رأس الماشية» أو السلعة التى تباع وتشترى بين الأندية والشركات الاحتكارية، ويتم التخلص منه بمجرد انتهاء صلاحيته البدنية أو إصابته، و«آلة» محكومة ببرامج بدنية قاسية وخطط تكتيكية صارمة تمنع الارتجال، ويعيش خوفا من الخسارة.


هنا نحن نحاول تفهم التحولات النفسية لنجم حصل على كل التصفيق قبل أن يصل إلى الثلاثين، والآن يتحدث على شباب ضاع بمعنى أنه حرم من متع عادية وسهرات ولحظات خاصة، وهو بالفعل كذلك وعليه أن يتقبل واقعا بالطبع غاص فيه وعاشه وحصل منه على متعة ما، فهل كان أمامه طريق آخر، هذا الطريق لم يكن مرضيا له أن يبقى فى مصر ويعيش الحال المحلى ويتخبط بين نواد وغياب لتكافؤ الفرص بينما عاش ولعب ولمع فى معسكرات احتراف قاسية تصنع أبطالا وتحرقهم وتستهلكهم.


من هذه الزاوية يمكن تفهم منطق ومشاعر صلاح ودموعه، فى وداع جمهور طالما صفق له، وهتف باسمه، طوال رحلة امتدت نحو 15 عاما، ومع أنه ما زال فى شبابه، يبدو لأول مرة مختلفا عن النموذج المتماسك القوى، وربما لهذا سخر البعض من حديثه عن التضحية، وبدأوا يعدون عليه الأرباح والنجومية، بينما بعضهم فى الواقع يهاجم النجم فى ضعفه، ودموعه، وهم من اعتادوا رؤيته قويا، وفى الواقع فإن كل لاعب يصل يوما إلى نهاية مشواره فى المستطيل الأخضر، عليه أن يبدأ الاستعداد لمرحلة أخرى لن تكون مثل الأولى. لكن من الممكن أن تختلف، وربما لهذا أيضا يمكن تفهم محاولات لاعبين تحولوا إلى التعليق الرياضى وكيف تظهر خلف تعليقاتهم عقد وأحاسيس نفسية تجاه صلاح النجم أو غيره.


والواقع أن الاحتراف كما يراه جاليانو، لا يتحكم فقط فى اللاعبين وإنما فى الجمهور أيضا، ويحول المشجع من شخص يفرغ شغفه وهويته فى الملعب إلى «زبون» يدفع تذاكر باهظة الثمن ليجلس صامتا فى ملاعب أشبه بالمسارح النظيفة، بعد أن تم طرد مظاهر الصخب الشعبى والجنون الجميل التى كانت تميز اللعبة قديما، والمشجعون من «مشاركين عاطفيين» إلى «مستهلكين» للشركات الكبرى وحقوق البث التليفزيونى.


ورغم أن محمد صلاح هو ابن «البيئة المصرية»، لكنه لم يصبح «ظاهرة عالمية» إلا بعد أن دخل فى ماكينة الاحتراف الأوروبى الصارم، وعليه أن يعترف وهو يتحدث عن التضحية بشبابه أنه نجح بسبب عقليته الفردية وقدرته على التطور واحترافه الحقيقى الذى تعلمه فى الخارج، وهو مسار يفترض أن يتبعه من يريد التقدم، وأن تستفيد المنظومة المحلية من هذا النظام إن كانت تريد الانخراط فى الكرة العالمية المحكومة بالكثير من الرسملة والتداخلات المالية والإعلانية، وبالتالى فإن الاستمتاع بجمال اللعبة يحيطه التعصب المصنوع، ورأس المال القادر على شراء لاعبين وبيعهم، مع توظيف إعلامى يختطف اللعبة من مدرجات التشجيع إلى زبائن أصبحوا يتصارعون فى القنوات المغلقة ولا يبقى لهم إلا صفحات مواقع التواصل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة