حازم حسين

برشامة كَشف النوايا

الثلاثاء، 02 يونيو 2026 02:00 م


لم تعد آفة حارتنا النسيان كما قال نجيب محفوظ، بل الاستعراض والبحث عن اللَقطة، وأحيانا الاصطياد فى الماء العكر.

ويتمادى البعض بالقفز بملابسهم المُتّسخة وأفكارهم المريضة فى كلِّ نَبعٍ، لتعكيره قصدا على سبيل التمهيد للصيد.

ويبرع آخرون فى شخصنة القضايا، كبيرها وصغيرها، وخلط الخاص بالعام لأغراض دنيئة، وفى أحسن الظروف غير بريئة، ولها مَرامٍ وحسابات تختلف عن المُعلَن، أو تُعاكسه تمامًا.

ومن أوضح الأمثلة وأجلاها، ما جرى فى الأسبوع الأخير على شبكات التواصل، وكرة الثلج التى بدأت صغيرة وأخذت تتضخم سريعًا.
جرى ذلك إزاء فيلم عرضته إحدى المنصّات، واتخذه قطيع التطرُّف الأُصولىّ مادّة لترداد خطابه الرجعى، والشدّ بغِلظة على الدولة والمجتمع.
لا أعرف منشأ الشرارة، ولا أحد بإمكانه الجزم بما إذا كانت عفوية أو مُوجّهة، إنما ما تَأتّى لاحقًا يُطلق جيشَ فئران فى الصدر دفعةً واحدة.
والحكاية باختصار، أنّ فيلمًا اسمه «برشامة» طُرِح فى عيد الفطر، وظل فى دُور العرض طوال الفترة الماضية.

وعندما طرحه أحد تطبيقات المشاهدة حسب الطلب مُؤخّرًا، اصطُنِعَت معركة أخلاقية عقائدية، صخبت الحناجر فتخضّبت اللحى وهاجت القطعان، وارتفعت رايات الوعيد على أسِنّة الرماح.

حوّلوا النقد من صنعة الفن إلى مرجعيّة الفقه، وتعاملوا مع الشريط بمنطق الحلال والحرام، ومع صُنّاعه باعتبارهم مُكلّفين تعدَّوا حدود الله!
العمل ضعيف فنيًّا، وعلى كل مستوياته تقريبا: الكتابة والإخراج والتمثيل والصورة. لكنه مجرّد كوميديا، لم تدّع لنفسها شيئا أكبر من الترفيه والإمتاع.
وقد يصح وصفه بالخفّة والتفاهة، ويحق للجمهور أن يحبّوه أو يكرهوه، وهو معروض على النقد والنقض بكلِّ صورهما، إلّا التفسيق والتكفير، وجُرم المطالبة بالشطب والإلغاء والعقاب.

المفارقة أن البعض يحسبون فريق الكتابة والإخراج على التيّار المحافظ، ويُغالى آخرون بنسبتهم إلى توجهات ذات صبغة إسلامية.
ما خلق حالة من الشماتة والتشفّى لدى طيفٍ من كارهى الأُصوليّة، باعتبار الأزمة عراكًا بين مصارين بطنٍ واحد، أو «فخّار بيكَسّر بعضه» كما يقول اللبنانيون.

وبعيدًا من صواب الإحالة أو خطئها، فالهوى الشخصى لا يدخل ضمن عدّة الاستقراء وتقييم الإبداع، بل يُقرَأ الفيلم من داخله، بمنطقه الذاتى، ودون تصورات مسبقة أو إسقاط خارجى.

وطالما استوفى ضوابط العرض محليًّا، فلا وجه لمُساءلته أصلاً، أو إخضاعه للرقابة مُجدَّدًا بأثرٍ رجعىٍّ.
أحدث الداخلين على الخطّ، وأشدّهم سوءا بالمناسبة، حزب النور. إذ أوعز لأحد نوابه بتقديم بيان عاجل بشأن الفيلم أمام مجلس النواب.
وكى تكون الحقائق واضحة، وفى نصابها، فإن مُشكلة السلفيين مع الفن والإبداع عمومًا، بغض النظر عن المحتوى.

ويُثير ضيقهم أن يبتهج الناس ويمرحوا، وما من غاية تعلو لديهم على إشاعة الجهامة والتشدّد، ووأد الحياة والأحياء معًا.
ولو عرضنا أفلاما ومسلسلات دينية، تُروّج لخطاب الرجعية كما يهواه الرجعيون، فلن يُطالعوها أو يُرحّبوا بها أيضًا.
التصوير حرام، والموسيقى رجس، والتأليف أكاذيب، والأتباع يجب أن يظلّوا خائفين ليسهُل قيادهم، وألّا يعرفوا للدنيا طَعمًا، كى لا ينفلتوا من القَيد ويُغادروا الحظيرة.

ويمتزج بطائفة المُتطرفين العُتاة، فريق من الأُصوليِّين المُستترين، ومَن يدّعون المدنية والتنوير، إنما يكفى حَكّ جلودهم ليبين منها قيح الماضى وسُخامُه المقيت.
أنصاف مُتعلمين أو أنصاف دواعش، والفوارق فى زمننا بينهما ضاقت، أو تكاد تتلاشى!
نحن بصدد عمل تجارى سطحى، صَنعَتُه الإضحاك وغايته الإيرادات، والترفيه فى حدِّ ذاته رسالةٌ، يعرف قيمتها الذين يحترمون الفن، ويؤمنون بأدواره السامية على تنوّعها العريض.

والغاضبون لا يفهمون منطق الدراما، وأنها مُحاكاة للاجتماع الإنسانى، وليس من أدوارها اختزاله أو تنميطه.
لكل شخصية كيان وأفكار، تتحدّث بمنطقها الخاص، وكلامها يخصّها ولا يُعبر عمّن كتبها أو أدّاها.
عشرة أسابيع فى السينمات، وإيرادات فاقت مائتى مليون جنيه، أى نحو مليون وستمائة ألف تذكرة/ مُشاهِد.

لكنّ المؤامرة لم تُكتَشَف إلَّا عندما طُرِح رقميًّا، ونُقِلَ لشيوخ المُتسلّفة عمّن شاهد بالنيابة عنهم أنه طعنٌ دنىءٌ فى الدين، وتقويض فجّ لدعائمه الراسخة.
ردود الفعل شديدة المُبالغة، ولا تخلو من مُجاهرة بغَلَبَة التطرف مُجتمعيًّا، واستعراض من بعض التيارات لعضلاتها.
كأنها تُخاطب مَن يهمّه الأمر، بقدرتها على الحشد والتوجيه، وبأنها تأخذ بخناق الشارع من ثغرة العاطفة الدينية!
صرتُ أضيقُ من اسْم الإخوان، واستدعائهم فى اليوميّات وتفاصيلها، غير أننى مُضطرٌّ هُنا لاحتمال رائحتهم التى لا أُحبّها.
مات أحد كوادرهم مؤخّرًا، خالد فهمى الأستاذ بجامعة المنوفية، نَعَوه علنًا، واحتشد ضدّهم الغاضبون من المثقفين وغيرهم. نشطت لجانهم ضد الفيلم، وربما غاية نشاطهم التأجيج، وصَرف الأنظار، واختراع أزمة.

وأُذكّر بأنّ الدستور والقانون لا يُقرّان نشأة الأحزاب على أساس دينى، أو التمييز بالعقيدة وغيرها، وكلاهما مُتحقّق فى «عُصبة مكافحة الأفلام».
غرض شخصى يُغَلَّف بعنوانٍ شعبوىّ. ما يُذَكّر بائتلافٍ لأحزاب المُعارضة، أصدر مُؤخّرًا بيانًا بائسًا للدفاع عن مصالح رجل أعمال يُغدق عليهم من بحر ثروته.

وذلك مع خلط الخاص بالعام، لتمرير الأمر وإراحة الضمير، مُتعامِين عن أنهم صاروا مُرتزقةً لدى مُدَّعٍ يتصنّع القيمة والمبدأ، يغصب المال العامة، عليه ديون لصحفيين شرّدهم وأغلق بيوتهم، وتُحوّطه الشبهات من كل جهة.

الرجعية الدينية معروفة، والمحكّات تزيح قشرة التمدُّن المصطنعة عن وجوه البعض، مهما تلوّنت الملامح واختلفت المرجعيّات.
الفيلم أكثر ضحالة من الدفاع عنه، إنما مبدأ الحرية وحصانة الإبداع أهم من تَركه للمُتردّية والنطيحة.

إنها «برشامة» صغيرة، ضئيلة، قليلة القيمة، وقل ما شئت، لكنها كاشفة للتطرُّف والأُصوليّة، أو ضِيق العقول وسوء النوايا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة