ناهد صلاح

وجوه من روح الصحراء

الجمعة، 19 يونيو 2026 03:05 م


نادراً ما تمنحنا المهرجانات السينمائية فرصة لاكتشاف روح مدينة كاملة من خلال أعمالها الفنية وأصوات مبدعيها، لكن هذا ما حدث لي خلال زيارتي الأخيرة إلى مدينة الداخلة بالمغرب للمشاركة في فعاليات مهرجان الداخلة السينمائي الدولي. فبعيداً عن العروض والاحتفالات الرسمية، وجدت نفسي أمام تجربتين تحملان دلالات عميقة على تطور المشهد الثقافي في الأقاليم الجنوبية، الأولى تتمثل في المسيرة الاستثنائية للفنانة الرائدة ميالة بوعمود التي ارتبط اسمها بتاريخ البدايات الفنية في الداخلة، والثانية تتجسد في فيلم "لمسة أخيرة" للمخرج الشاب محمد الكنتاوي، الذي يكشف عن ملامح جيل جديد يمتلك وعياً جمالياً وإنسانياً لافتاً. بين التجربتين تتشكل حكاية متكاملة عن الفن في الصحراء المغربية، حكاية تبدأ بشجاعة الرواد الذين مهدوا الطريق، وتستمر عبر أصوات شابة تسعى إلى إعادة اكتشاف الإنسان وهمومه بلغة سينمائية أكثر حساسية وعمقاً.

في الحديث عن التجارب الفنية التي تشكلت خارج المراكز التقليدية للإنتاج الثقافي، تبرز الفنانة ميالة بوعمود بوصفها نموذجًا استثنائيًا لمسيرة صنعت حضورها من قلب الصحراء المغربية، حيث لم يكن الطريق إلى الفن مفروشًا بالفرص بقدر ما كان محفوفًا بالتحديات الاجتماعية والثقافية. تكتسب تجربتها أهميتها من كونها لا تمثل مجرد مسار فردي لفنانة اختارت التمثيل، بل تعكس مرحلة كاملة من التحولات التي شهدتها الأقاليم الجنوبية للمغرب في علاقتها بالفعل المسرحي والدرامي، وفي حضور المرأة داخل الفضاء الإبداعي العام.


لقد ارتبط اسم ميالة بوعمود بميلاد ملامح حركة فنية محلية سعت إلى تحويل التراث الحساني من مادة شفاهية متداولة إلى خطاب فني قادر على الوصول إلى الجمهور عبر المسرح والتلفزيون والسينما. من هنا يمكن النظر إلى تجربتها باعتبارها تجربة تأسيسية أكثر منها مجرد مشاركة في أعمال فنية متفرقة، إذ أسهمت في تكريس حضور المرأة الصحراوية على الخشبة وفي الكاميرا في وقت كانت فيه هذه المشاركة محدودة ومحاطة بكثير من التحفظات الاجتماعية. قد منحها هذا الدور بعدًا رياديًا جعلها تتجاوز حدود الأداء التمثيلي إلى موقع الرمز الثقافي الذي فتح المجال أمام أجيال جديدة من الموهوبات لخوض غمار الفن بثقة أكبر.


تتجلى خصوصية تجربتها في ارتباطها الوثيق بالبيئة الصحراوية وما تحمله من ذاكرة جماعية وعادات وقيم وتقاليد، الأمر الذي انعكس على طبيعة الأعمال التي شاركت فيها، حيث لم تنفصل موضوعاتها عن الواقع الاجتماعي المحلي وقضاياه الإنسانية. فالفن عند بوعمود لم يكن مجرد ممارسة جمالية، بل وسيلة لحفظ الموروث الثقافي وإعادة تقديمه في قوالب معاصرة، وهو ما منح أعمالها بعدًا توثيقيًا لا يقل أهمية عن بعدها الفني. كما أن حضورها في الدراما التلفزيونية المحلية ساعد على توسيع دائرة انتشار الثقافة الحسانية وإيصالها إلى جمهور أوسع، في تجربة تؤكد قدرة الفن الجهوي على تجاوز حدوده الجغرافية عندما يمتلك صدقه وهويته الخاصة.


أما على مستوى السينما، فقد واكبت ميالة بوعمود البدايات المتدرجة للحراك السينمائي في الأقاليم الجنوبية، وساهمت في أعمال قصيرة ووثائقية انشغلت بالذاكرة الصحراوية وسرديات المكان والإنسان. ورغم أن هذه التجارب لم تكن دائمًا ذات إمكانات إنتاجية ضخمة، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في كونها أسست لأرشيف بصري يحفظ جوانب من التاريخ الثقافي والاجتماعي للمنطقة، وهو ما يمنح مشاركاتها السينمائية أهمية تتجاوز حدود الشاشة لتلامس أبعادًا ثقافية وتوثيقية أوسع.


من هذا المنطلق يبدو  التكريم الذي حظيت به في مهرجان الداخلة السينمائي الدولي العام الماضي تتويجًا طبيعيًا لمسيرة طويلة من العطاء، أكثر منه احتفاءً بإنجاز آني أو نجاح عابر. فالمهرجانات الحقيقية لا تكرم الأسماء فقط، بل تكرم المسارات التي أسهمت في بناء ذاكرة فنية جماعية، وميالة بوعمود تمثل واحدة من تلك الشخصيات التي ارتبط اسمها بتاريخ تشكل المشهد الثقافي في الداخلة. كما أن الاحتفاء بها داخل تظاهرة ذات بعد عربي وإفريقي يمنح تجربتها دلالة رمزية مهمة، إذ يضع الفن المحلي في موقع الشريك الفاعل ضمن الحوارات الثقافية الأوسع، ويؤكد أن الإبداع الحقيقي قادر على الانطلاق من الهامش ليصنع حضوره في فضاءات أكثر اتساعًا.


في المقابل، تكشف التجارب السينمائية الجديدة التي يحتضنها المهرجان عن حيوية المشهد الفني في الداخلة واستمراره، وهو ما بدا واضحاً في فيلم "لمسة أخيرة" للمخرج محمد الكنتاوي، الذي عرض ضمن فعاليات المهرجان هذا العام. الكنتاوي يأتي امتداداً لجيل جديد من المبدعين المنتمين إلى المدينة نفسها، والذين يسعون إلى تقديم رؤى معاصرة تنطلق من الإنسان بوصفه محور الحكاية وغايتها.


كما يأتي فيلمه القصير "لمسة أخيرة"، بوصفه محاولة جادة للانتصار للإنسان في أبسط تجلياته وأكثرها هشاشة، بعيداً عن الميلودراما الفجة أو الخطابات الوعظية المباشرة. فمنذ مشاهده الأولى يضع العمل المتلقي أمام علاقة أخوية استثنائية تتجاوز حدود الرعاية اليومية إلى فضاء أوسع من التضحية الصامتة، حيث تتحول المسؤولية تجاه الآخر إلى معنى وجودي يمنح الحياة قيمتها الحقيقية. ولا ينشغل الفيلم ببناء حبكة معقدة أو مفاجآت سردية بقدر ما يراهن على قوة التفاصيل الإنسانية الصغيرة، تلك التي تكشف عمق الروابط العائلية وقدرتها على مقاومة العزلة والألم.


تنبع خصوصية الفيلم من اختياره معالجة موضوع الإعاقة من زاوية إنسانية خالصة، بعيداً عن النظرة الشفقة أو التمثيلات النمطية التي كثيراً ما تقع فيها الأعمال الفنية. فالشخصية الرئيسية لا تُقدَّم باعتبارها حالة اجتماعية أو طبية، بل كإنسان يمتلك أحاسيسه واحتياجاته وأحلامه، بينما يتجسد الأخ بوصفه مرآة لقيم الوفاء والإيثار التي تتعرض اليوم لاختبارات قاسية في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة. من خلال هذه الثنائية ينجح الكنتاوي في بناء خطاب بصري وعاطفي يطرح أسئلة عميقة حول معنى الدعم الحقيقي وحدود الالتزام الأخلاقي داخل الأسرة.


على المستوى الإخراجي، يتبنى الفيلم لغة هادئة تتكيء على تكثيف التعبير وعلى منح الصورة مساحة كافية للتأثير، وهو خيار يعكس وعياً بطبيعة الموضوع الذي يتطلب قدراً من التأمل أكثر مما يحتاج إلى الانفعال المباشر. كما تبدو العناية واضحة في توظيف الإيقاع السردي الذي يسمح بتنامي المشاعر تدريجياً، بحيث تتشكل لحظات التأثر من داخل الحدث نفسه لا من خلال افتعال مؤثرات درامية زائدة.   قد أسهم أداء إدريس لشكر ويوسف تاقي في ترسيخ هذا التوجه، إذ جاء أداؤهما منسجماً مع روح العمل، معتمداً على الصدق التعبيري والقدرة على نقل الأحاسيس الدقيقة التي تفرضها طبيعة العلاقة بين الشخصيتين.


لا تكمن أهمية "لمسة أخيرة" في قصته فحسب، بل في قدرته على استحضار قضايا اجتماعية وإنسانية ذات راهنية كبيرة، من قبيل الاعتراف بالأعباء النفسية التي يتحملها مقدمو الرعاية داخل الأسر، وإبراز أشكال التضامن التي غالباً ما تبقى بعيدة عن الضوء. لذلك يبدو الفيلم أقرب إلى تحية موجهة إلى أولئك الذين يكرسون حياتهم للآخرين دون انتظار مقابل، وإلى دعوة للتأمل في قيمة الروابط الإنسانية التي تمنح الوجود معناه وسط عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الفردانية.  من هنا يمكن اعتبار العمل إضافة واعدة إلى تجارب السينما الشبابية المغربية، ليس فقط لأنه يختار موضوعاً حساساً ومؤثراً، بل لأنه ينجح في مقاربته بقدر من النضج الفني والوعي الإنساني، ما يجعل أثره يتجاوز زمن عرضه ليبقى عالقاً في ذاكرة المتلقي بوصفه تجربة تحتفي بالمحبة باعتبارها "اللمسة الأخيرة" التي تمنح الحياة اكتمالها.
هكذا، وبين تجربة ميالة بوعمود التي أسست لحضور المرأة والفن في الأقاليم الجنوبية، وتجربة محمد الكنتاوي التي تعكس نضج جيل سينمائي جديد، تبدو الداخلة مدينة لا تكتفي بصناعة الأحداث الثقافية، بل تنتج حكاياتها الإنسانية الخاصة. فالفنانة الرائدة والمخرج الشاب ينتميان إلى سياق واحد يؤكد أن الثقافة الحقيقية لا تقوم فقط على حفظ الذاكرة، بل على تجديدها باستمرار، وأن الفن في الصحراء المغربية استطاع أن يصنع لنفسه هوية متفردة تجمع بين الوفاء للجذور والانفتاح على الأسئلة الإنسانية الكونية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة