خالد دومة يكتب: تربية الوعي

الجمعة، 19 يونيو 2026 12:00 ص
خالد دومة يكتب: تربية الوعي خالد دومة

هل التربية مجرد مظهر وهيئة؟.. هل يكفي أن ترى الإنسان مهذب الحديث، حسن الملبس، لطيف العبارات، حتى تحكم بأنه بلغ غاية التربية، بينما هو خالي الوفاض من تربية الضمير والروح؟.


إن التربية الحقة ليست زينة خارجية يتجمل بها الإنسان أمام الناس، بل بناء داخلي يُغرس في النفس والعقل والوجدان. فكما يحتاج الجسد إلى غذاء صالح يحفظ صحته من العطب والمرض، تحتاج العقول والأرواح إلى غذاء ينهض بها، ويقوّي فهمها، ويرتقي بإحساسها بالحياة.


وغذاء العقل أن يتعلم ويتثقف ويطلع, وأن تتعهد له بخطط تبنيه لينمو نموا صحيحا, ويساهم في رؤية صحيحة للحياة, وأن تشغله دائما بما ينفع, فلو تركنا عقولنا للجهل لأصبحت ولا قيمة لها سوى البحث فيما يدنو بها, وكثير من العقل التي لا تنشغل بالعلم, تنشغل بالمكر عوضا عما يضاف لها من العلم, فتستغل المكر فيما يضر وهي تعزي نفسها عما فقدرته من علم.


فالإنسان العاقل يختار لطعام جسده ما ينفعه، ويتجنب ما يفسده، لكنه — في كثير من الأحيان — لا يبالي بما يُلقى في عقله وروحه من غذاء رديء، يفسد الفهم ويعوق الإدراك. يعتمد على مصادر خاوية، ومجالس لا تضيف إلى وعيه إلا الضجيج والتفاهة، حتى تمتلئ روحه بالغثاثة، ويضيق أفقه عن رؤية الحياة رؤية أعمق وأصفى.


ومن هنا تأتي قيمة المبادرات الثقافية والفنية التي تحاول أن تعيد للإنسان إنسانيته، لا أن تملأ فراغ وقته فقط. فموائد الثقافة لا تقتصر على الكتب وحدها، بل تمتد إلى الفن، والموسيقى، والمسرح، والندوات، واللوحات، وكل ما يهذب الحس ويوقظ العقل ويمنح الإنسان قدرة أكبر على فهم نفسه والعالم.


والمأساة أن كثيرًا من الناس لا يبحثون إلا عن امتلاء أجوافهم، أما غذاء عقولهم وأرواحهم فيرونه رفاهية يمكن الاستغناء عنها. اختلت المعايير حتى أصبحت الأبصار لا ترى من الحياة إلا رغيف الخبز، والآذان لا تسمع إلا صرير الأموال، والمشاعر تجمدت تحت وطأة اللهاث اليومي وراء المادة وحين يجوع العقل والروح، يصبح الإنسان أرضًا خصبة للأوهام والخرافات والهواجس.


ما الذي يجعل بعض الناس يصنع حول نفسه هالة من الوهم، تحيط به وتأكل من لحمه ودمه وفكره، حتى يتحول إلى فريسة لخوف لا وجود له إلا في رأسه؟


يظن أن الناس تراقبه في كل حركة، وتتتبع أخباره، وتحسده على كل ما يملك، وأنه محور الأحاديث والنظرات والمؤامرات. يستيقظ على هذا الوهم وينام عليه، حتى تصبح الحياة كلها في نظره معركة خفية تُدار ضده.
كل نظرة عابرة تحمل عنده معنى مستترًا، وكل حركة من الآخرين وراءها تدبير. وربما قاده خوفه إلى أبواب المشعوذين والدجالين؛ يشعل البخور، ويتتبع الطلاسم، ويبحث عن خلاص من أعداء صنعهم خياله المرهق.


والحقيقة أن العالم لا يلتفت إليه كما يظن. فلا أحد يقضي عمره في مراقبته، ولا أحد يسهر الليل ليدبر له المكائد. وإن كان حديثًا عند بعض الناس، فهو حديث عابر لا يلبث أن يُنسى. لكنه يصر على العيش داخل هذا السجن النفسي الذي صنعه بنفسه، حتى يضيع عمره بين الظنون والارتياب.


وقد عرفت رجلًا كان مثالًا حيًا لهذا الخراب الداخلي. كان فقيرًا بالكاد يجد قوت يومه، ومع ذلك عاش مقتنعًا بأن الناس يحسدونه، وأنهم سخّروا السحرة لإفساد حياته. تنقل سنوات بين من يسمّون أنفسهم معالجين، يحمل المياه المقروء عليها، والأعشاب، والأوراد، ويطارد الوهم من شيخ إلى آخر. ولم يسأل نفسه يومًا: لماذا سيحسدني الناس أصلًا؟ وما الذي أملكه حتى تُحاك المؤامرات ضدي؟


ومع الوقت تحولت حياته إلى جحيم؛ صار سريع الغضب، مرتابًا من الجميع، ينظر إلى أقرب الناس إليه بعين الشك. أشعل بيته بهواجسه، حتى انتقلت عدواه النفسية إلى أبنائه، فصاروا هم أيضًا يفسرون الفشل والضيق تفسيرًا غيبيًا، ويبحثون عن أسباب وهمية لكل عثرة، بدل أن يواجهوا أنفسهم وأخطاءهم وهكذا دمّروا حياتهم بأيديهم، لا بأيدي السحرة والدجالين.


إن أخطر ما يفعله الجهل بالروح والعقل أنه يخلق إنسانًا هشًا من الداخل، مهما بدا مهذبًا من الخارج. إنسانًا عاجزًا عن مواجهة الواقع، فيلوذ بالأوهام، ويهرب من مسؤوليته عن حياته، ويلقي فشله على الحسد والمؤامرة والسحر.
ولهذا فالتربية ليست كلمات منمقة، ولا مظهرًا اجتماعيًا أنيقًا، بل هي بناء عقل قادر على التمييز، وروح قادرة على الاتزان، ونفس تمتلك شجاعة مواجهة الحقيقة.


فكما نطعم أجسادنا لنحيا، يجب أن نطعم عقولنا وأرواحنا لنصبح بشرًا جديرين بالحياة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة