رأسان على المستوى نفسه، يتناطحان، ويُفرِطان فى إظهار الصلابة، وتكرار الضربة مرّة بعد أُخرى. وأسفل الصورة التى لا نراها؛ ربما ترتخى ساقا أحدهما حدَّ أن يجثو، أو يقف الثانى على أطراف أصابعه!
قد تتّسع الزاوية لنرى ما يخفى عنّا، وتُمهلنا الأيام أن نُقيِّمه راهنًا؛ لنقيس تداعياته لاحقًا؛ ولعلّه يظلّ طىّ الكتمان للأبد.
إنما حتى لو عرفنا ما نجهل؛ فبإمكان صاحب كلِّ روايةٍ أن يُكيِّفَها حسبما يهوى: سردية ترى أن الاستنزال من القامة دليل على الطُّول والطَّول، وضدُّها ستتفاخر بطاقتها المُتوثّبة، وفُسحتِها للتطاول، وأنها ركّعَتْ الغريم!
يُوقِّع الأمريكيون والإيرانيون ورقة الإطار غدًا. وحتى موعد الكتابة، الأربعاء، ما عرف أحدٌ بمحتواها على وجه الدقّة، ولا أُثير نزاع بشأنها كما جرت العادة، رغم تضارب الروايات.
أقرب صيغة للمنطق، نشرتها «بلومبرج» دون إشارة لمصدرها. لا تفوح منها ديماجوجية ترامب، وتخلو من شعبوية الملالى؛ إنما للإمانة تُلامس النسخة الفارسية أكثر من الأمريكية.
على أن التركيبة كلها تُشبه جسّ النبض. إعلان نوايا من خصمين مُقبلين على القتال بوسائل أُخرى، ما يجعل الحُكم باستخلاص نهائى من قبيل التسرُّع، واستشراف مآلاتها سياسيا أو ميدانيا فى نطاق التنجيم لا التحليل!
اختيار سويسرا ليس مجّانيًّا، وقد أُديرت جولة التفاوض الوحيدة وجها لوجه فى إسلام آباد. وبعيدًا من حياد البلد المُختار؛ فربما ينطوى التعليل على تحفُّظ مكتوم، أو اختلاف بشأن البديهيات، ومنها طبيعة الوساطة ومداها المقبول.
المُذكرة الأوثق تمنح الجمهورية الإسلامية الكثير، وتأخذ منها أيضًا. والبنية اللغوية مطاطة، وغامضة قصدًا؛ لتُتيح للراغب منهما أن يُفلِت من خناق الهزيمة المعنوية، ويُروّج ما يعنّ له عن المعركة.
صحيح أن مضيق هُرمز لم يكن موضوعًا للنزاع قبل الحرب، والقضية النووية مُرجأة لجولة قد لا تُحسَم، مع مزايا إضافية تشمل فك الحصار والعقوبات وتحرير الأموال؛ لكنها العناية الفائقة لمريض على أجهزة الإعاشة، تُرمِّم أنسجته؛ إنما لن تُعيدها فَتيّة.
حتى النقطة التى أُخِذَت على البنود، بشأن صندوق إعادة التأهيل المُقدَّر بـ300 مليار دولار، وحديث «دى فانس» عن تمويليه خليجيا؛ فإنها ترمى للاحتواء والترويض، بأكثر مِمّا تأخذ شكل التعويض وشراء الرضا.
وأهم ما تلفت إليه؛ أن صقور الإدارة ارتدّوا على أعقابهم، وأخرجوا أوراق أوباما من الخزائن، مُعتمدين على فلسفته فى تحويل مسار المواجهة.
جوهر اتفاق 2015 فى الإبطاء والمُغازلة. بحيث تختبر طهران فى الفاصل الطويل، مزايا الانفتاح على العالم، والفرص التى حرمت نفسها منها، وتتأكّد أنها ليست فى حاجة للقنبلة، أو أن تكاليفها أعلى من عوائدها، ونزيفها أكبر بمنطق الفرصة البديلة.
وإن صحَّ الاستقراء، فمحاولة ترامب اليوم تستنسخ ما فعله سلفه اللدود؛ وإن أنكر وادّعى العكس، أو وضع ورقته فوق سابقتها.
يُقدّم الاقتصاد فى مقابل الغُبار النووى، ويُراهن على اختراق البيئة الأُصوليّة من داخلها، وربطها بالاستثمارات الخارجية، لإغراء الصقور بالمكاسب، وتفعيل القوّة الناعمة؛ لخلق المطاوعة الشعبية بالنموذج والطموح.
والغالب أنه فخّ؛ لأنه سيكسر حلقة الهيمنة والتربح لدى حرس الثورة، ما يُعيد ترتيب الفواعل داخل بنية النظام، أو يُمكّن المَدنيين والإصلاحيين، على حساب العسكريين والمُحافظين.
يُوطِّد صلة البلد المُغلق بالأسواق المفتوحة، يلضم ضفَّتَى الخليج، ويفتح طهران على العالم. فيُصبح الاستقرار مصلحةً مباشرة، وازدهار الآخرين مفيدًا لها؛ وتضع واشنطن قدمًا شرعية، وتقبض على ذريعةٍ لو انقلب المُرشد ورجاله على التعهُدات.
القراءة المُعمّقة للأحداث منذ بدايتها، وتحديدًا باغتيال سليمانى فى ولاية ترامب الأولى، تُدلِّل على أن للصراع مستويين مُتداخلين: المصالح، وأهم منها الصورة والسردية.
لدى طهران ثوابت، والثورة محور شرعيتها، وتصديرها عمود النظام وتطلّعاته؛ غير أن استقرار الحُكم واستدامة المنفعة أوجب.
وقد تقبل التنازل أو المواءمة دون السقف المُعلن؛ إنما بشرط ألا يُعلَن الخفىّ أو يُستخدم فى حرب الدعاية.
فشلت الجولات السابقة؛ لأن ترامب كان يتعمّد الإحراج، والتعرية، ووضع سرديته فوق سرديتهم، وقد خفتت حِدّته حاليا، وبدا أنه يُغلّب المضمون على الشكل.
وأوضح الأمثلة؛ أن موضوع لبنان وُظِّفَ لتعزيز موقف إيران. على أن ربطه بالمسار الأساسى للصراع ضارٌّ به؛ إذ ينسب الفُرس وقف النار لأنفسهم، ويتفاخرون به، ولا يتوقّفون إزاء بقاء الاحتلال.
جمّدت المفاوضات الميدان؛ لكنها لم تُنشّط الدبلوماسية، مع التشغيب على مسار بيروت/ تل أبيب، وانتزاع الورقة من السلطة الشرعية لصالح الحزب، والأخير أداة فحسب.
كأنَّ طهران تتواطأ مع الصهاينة على اللبنانيين، وتعُدّ تجميد المعركة نصرًا، وتغضّ الطرف عن تضييع الأرض بعد ربع القرن من رجوعها، وإحراق الإنجاز الوحيد الذى كانت الدويلة تمنّ به على الدولة.
الحسبة المُجرَّدة سالبة؛ إذ أسّس الإيرانيون الحزب عقب الغزو الإسرائيلى بغرض المقاومة، وينصرونه على الوطن الآن وقد اقتُطِع الجنوب مُجدّدًا.
مسافة أربعة عقود من الاحتلال للاحتلال، مع ميليشا مُنفلتة، مأمورة من الخارج، ولها سجل أسود من الاغتيالات والفساد وسحق المؤسسات.
يُمرّر ترامب الوقت لغاياتٍ؛ أهمها الانتخابات الوشيكة. ولديه عقبة غير هيّنة مع قانون «إينارا»، الذى وضعه الكونجرس بعد اتفاق أوباما للرقابة على البيت الأبيض بشأن إيران.
كان مشروعا قدّمه الجمهوريّون، وعرّابه وزير الخارجية الحالى روبيو، ما يُبشّر بمناكفة مُنتظَرة؛ لا سيما فى ضوء تصويت مجلس الشيوخ مؤخّرا بشأن الحرب، وانحياز عدد من نواب حزبه للديمقراطيين.
كل الإشارات تُرجّح ألا يكتمل المسار، والطرفان مُجبران على الاستمرار.
لا مجال للتوقّع.. رأسان يتنطحان، ومُشجّعون يُحرّكهم الهوى، وكل ما نراه رأس جبل الجليد.
أمّا ما تحت السطح؛ فقد ينفجر فى الوجوه فجأة، خاصة مُجرم الحرب بنيامين نتنياهو وعصابته الواقفة على أطراف الأصابع أيضًا.