محمود عبد الراضى

سجن البرستيج والديون السعيدة

الأربعاء، 17 يونيو 2026 01:21 م


بين "اللقمة الهنية" و"اللقطة الذكية" خيط رفيع قطعه الهوس المعاصر بالمظاهر، ليتحول المجتمع من البحث عن الستر إلى السقوط في فخ السترة المستعارة.

في الشارع اليوم، لم يعد المهم أن تكون سعيداً، بل الأهم أن تبدو سعيداً، وتحت شعار "الناس هتقول علينا إيه" سقطت ميزانيات البيوت صريعة في محراب المنظرة الكاذبة.

عجيبة هي تلك المعادلة التي يعيشها مجتمعنا؛ حيث يشتري المرء ما لا يحتاجه، بمال لا يملكه، بهدف وحيد وهو إبهار شخص لا يهتم به أصلاً. إنها جائحة "المنظرة" التي تحولت من مجرد سلوك فردي عابر إلى ثقافة جمعية مقدسة، تفرض على المواطن المطحون أن يستدين ليشتري برستيجاً كاذباً، ويقسط ثمن الرفاهية ليداري عورة الاحتياج، وكأن لسان حاله يقول: "أموت مديوناً ولا أعيش عادياً".


تبدأ الرحلة من تفاصيل الزواج التعجيزية، حيث تتحول "الشبكة" إلى استعراض قوة، و"القائمة" إلى صك ملكية، مروراً بأحدث الهواتف الذكية التي تُشترى بالتقسيط المريح المنهك، وصولاً إلى مقاهي وتجمعات فاخرة، حيث يدفع الشاب ثمن فنجان قهوة يوازي أجر يوم كامل، فقط من أجل التقاط صورة "سيلفي" يرفعها على منصات التواصل الاجتماعي، ليثبت للجميع أنه ينتمي لطبقة لا ينتمي إليها، ويسكن في برج عاجي بني من رمال الديون.

المفارقة الساخرة في هذا العبث الاجتماعي، أن الجميع يعلم أن الجميع يمثل. فالذي يقف في الطابور ليدفع قسطاً يتأوه منه، هو نفسه الذي يجلس في المساء ليحدثك عن الرفاهية. لقد تحولنا إلى مجتمع من الممثلين والمشاهدين في آن واحد، والكل يصفق للكل، والكل يحسد الكل على أوهام مصورة خلف شاشات الهواتف.

إن هذا التباهي الأجوف ليس إلا قناعاً يخفي خلفه فزعاً من النقد الاجتماعي، ورعباً من نظرات الشفقة. لكن الحقيقة المرة التي يتناساها الجميع، هي أن الذين نرهق أنفسنا لإبهارهم، مشغولون تماماً بإبهارنا، ولا أحد يملك الوقت ليرى أحداً، فالكل يلهث في ساقية المظاهر، والكل يسدد فواتير "المنظرة" من صحته وراحة باله وقوت يومه.

محمود عبد الراضي، مقالات محمود عبد الراضي، المظاهر الكاذبة، ثقافة المنظرة، المجتمع المصري، السوشيال ميديا، أزمة الديون، البرستيج، الزواج في مصر، علم الاجتماع، الاستهلاك التفاخري، الضغط الاجتماعي




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة