حازم حسين

افتتاحية الفراعنة فى المونديال

الأربعاء، 17 يونيو 2026 02:00 م


بالعقل وحسابات الورقة والقلم نخسر، لكننا كنّا نُعوّل على الحماسة والأمل، وبينهما وقع التعادُل على أهون ما يكون، وكان بطعم الفوز دون أى تجميل أو مُبالغة.

وهوان النقطة الواحدة أنها جاءت بنيران صديقة، غير أن المُتسبِّب فيها، لاعب الأهلى محمد هانى، أدّى مباراة جيدة للغاية، ولعب دورًا مُهمًّا فى تماسك الخطوط، وتعطيل مراكز ثِقَل الخصم، وإن كان بشكلٍ عام أقل كثيرا من ناديه ومُنتخب مصر.

افتتاحية ليست سيئة على كل حال، فقد كُنّا نخشى المفاجآت، ولنا سوابق مُرّة فى البطولة الدولية الأرفع، أقربها إلى الذهن لم تحمل شيئا من معالم المباراة الأخيرة.

ما ذهبنا إلى نسخة قطر 2022 أصلاً، وفى روسيا قبل ثمانى سنوات من الآن كُنّا «حصّالة المجموعة»، بحسب التعبير اللاذع لدى المُشجّعين، وعُدنا سريعًا بصفرٍ كبير، عن ثلاث هزائم رخيصة وبعضها غير مُبرّر إطلاقًا.

والحد الأدنى من المنطق، ألا نُغادر اليوم من المرحلة ذاتها، وقد اتّسعت البطولة لتضم ثمانية وأربعين فريقًا، فتضاعف الزحام، وضعفت المنافسة نسبيًّا، وصار ميسورًا لمُنتخب بحجم الفراعنة أن يمُرّ.

عمليًّا، تبدأ الرحلة التى تعوّدناها من الدور المُقبل. الصعود يضعنا مع 32 فريقا يُمثّلون الأول والثانى من اثنتى عشرة مجموعة، مع أفضل ثمانية من المركز الثالث.

فرصة أكبر، ووصول لمحطّة تتناسب مع خبرتنا فى آخر نسختين خضناهما، ومع ترتيبنا، وإن ظلّت أقل كثيرًا من التاريخ والطموح!

مُنافس الجولة الأحدث من كبار اللعبة. صحيح أن ذاكرتنا المُشتركة تُقدّمنا عليه فى ترتيب المواجهات المباشرة، إلا أن حقائق الأرض والواقع تسير فى اتجاه آخر.

تلاقينا أربع مرّات ودّيًّا على مدار أكثر من ثلاثة عقود، فُزنا فى ثلاثٍ وخسرنا واحدة، ولقاء كأس العالم، الاثنين، كان الأوّل بيننا بشكل رسمى.

بلجيكا رأس المجموعة، وحلّت تاسعًا فى أحدث تصنيف للاتحاد الدولى «فيفا».. ويفصلنا فى الطابور تسعة عشر مُنتخبًا، بينها قوى ثقيلة من عيّنة ألمانيا وإيطاليا وكرواتيا والمكسيك والسنغال ونيجيريا وأوروجواى وأستراليا.

أغلقنا ملف المواجهة الأصعب فى المجموعة، ما يجعل الجولتين المُتبقّيتين أسهل نسبيًّا، وأقل ضغطًا على أعصاب اللاعبين والجهاز الفنى، خاصة أنهما تعادلا فى لقائهما أيضًا، فتساوت الرؤوس الأربع.

ومع ثلاث فُرص تقريبًا لاقتناص بطاقة العبور، فالنقطة الأولى مُهمّة وغالية، بمقدار ما عزّزت المعنويات، وأبقتنا على خط واحد مع المُنتخب الأقوى، وضاعفت الرغبة فى الاستدراك على فوز ضائع، أو القصاص من تعادُلٍ غير عادلٍ بالمرّة.

الموعد المقبل مع نيوزيلندا، صاحبة المركز الخامس والثمانين عالميا، تعادُلها مع إيران يخصم من معنوياتها ويُحفّزنا عليها، وتعادلنا مع بلجيكا يُخيفها ويُخلخل ثباتها النفسى، سيّما وقد رأوا بالتأكيد، وعاينوا فارق الإمكانات والرغبات.
كُنّا الأفضل على طول المُباراة، وتجلّت شخصية الفريق فى السرعة والمُبادرة، والقدرة على الوصول، وعدم التهيّب أو المبالغة فى التحفُّظ، مع التزام الجميع بأدوارهم الدفاعية.

أدار حسام حسن مواجهة تكتيكية على مستوى عالٍ، وأحسن استخدام أوراقه التى افتتح بها اللقاء، وحافظ على رباطة جأشه، فلم يتوتّر أو ينقل توتّره للملعب.

وللأمانة، فإن له دورًا كبيرًا فى النتيجة، وهى ليست سيئة كما أسلفت، ويعود إليه الفضل فى الاقتراب من الفوز، بقدر ما يعود فضل الابتعاد عن الهزيمة إلى الحارس.

يمضى مصطفى شوبير على طريق الكبار. حارس مصر الأول بجدارة، من الآن ولسنوات طويلة مُقبلة. ومن حقّه القول إنه أحد أبناء العاملين الذين ظُلموا بآبائهم، ولعله يفوق والده، وقد كرّر مشهده فى المونديال وهو أصغر منه بخمس سنوات تقريبا.

جلس الأب على الدكة طويلاً لسلفه ثابت البطل، وأجلس الحضرى، والأخير فعلها مع الشناوى أيضًا. الأيام وفارق العُمر وكفاءة الصغير الصاعد كسرت الناموس، ومنعت العادة من أن تكون عبادة مستقرّة فى عرين الفراعنة.

يُمتَدَح العميد فى كثير من خياراته للقائمة، مثل زيكو من خارج الناديين الأكبر، وفى مَنح الفرصة خلال المباراة لحمزة عبد الكريم، غير أن بقيّة التبديلات لا تخلو من مُلاحظات، خاصة إخراج محمد صلاح وإمام عاشور، وكان مرموش أسوأ منهما وأحق بالخروج!

يستلفت الأمر بعض المُتوجّسين من حسام، ومَن يرون أنه يُدخل الخاص فى العام، ويُدير بمشاعره وتفضيلاته، لا بالعقل والاستحقاق والتقييم المُجرّد من العاطفة والهوى. إنما يظل من حقّه أن يخوض تجربته كاملة، مع مواكبته بالنقد والتصويب قدر الإمكان.

وإن انتقدت تبديل صلاح، إلا أنه كان أقلّ من المُتوقّع، وبلا أية مُحاباة أو تحامل، فقد أدّى الحد الأدنى ممّا يقدر عليه، وما يُمكن أن يُمثّله من قوّة ضاربة أمام مُنافسين يعرفونه جيّدًا، ويتحسّبون له أكثر من سواه.

ويظل حضوره وازنًا فى كل الأحوال، وبمثابة ثِقَل يُرسِّخ أقدام زملائه، يُطمئنهم ويشدّ ظهورهم، ويُضيف قوّة دافعة على مستوى الوهج والسرعة والحلول، كما يسحب جانبًا من طاقة الخصم وجهد لاعبيه وتركيزهم.

راضٍ بشكل عام، وإن كان الأجمل والأقوى لم يأتِ بعد. بقدر أكبر من الجهد والتركيز يُمكن أن نُقدم كرة أكثر إقداما وإمتاعا، وأن نُحرز نتائج أفضل، ونُؤمِّن عبورًا أسهل لِمَا بعد، وما لن يكون ما بعده كما قبله اليوم ولا مستقبلاً.

تعادل المغرب مع البرازيل، بعد عدّة أيّام من هزيمتنا أمامهم، وكانت سهلةً ويُمكن تلافيها. لدينا كل شىء، إلا المشروع. ولا عيب فى أن نستكشف تجارب الآخرين، ونستضىء بمُخرجاتها، ونُحاكيها بما لدينا من طاقات بلا حصر، وخزّانات مواهب لا تنضب.

يُمكن أن تكون البطولة قفزة واسعة للأمام، وحبّذا لو اتُّخذت مُنطلقًا لتجربة أعلى سقفًا، تُغادر أُفق الاستقطاب، والخيارات الضيّقة، وتنفتح على خيال وإدارة يليقان بمصر وحاضرها وتاريخها. مشروع لا نتعثّر بعده، ولا نواصل اللفّ فى دوائر مُغلقة، ومتكررة!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة