مالى بين سلطة الدولة ونفوذ السلاح.. مليونا يورو للقبض على الرئيس جويتا.. والحكومة تلاحق قادة التمرد بمكافآت مالية.. وتصاعد الهجمات يضع تحالف الساحل أمام اختبار صعب.. ومخاطر كبيرة بعد انهيار الدولة فى الشمال

الإثنين، 15 يونيو 2026 10:00 ص
مالى بين سلطة الدولة ونفوذ السلاح.. مليونا يورو للقبض على الرئيس جويتا.. والحكومة تلاحق قادة التمرد بمكافآت مالية.. وتصاعد الهجمات يضع تحالف الساحل أمام اختبار صعب.. ومخاطر كبيرة بعد انهيار الدولة فى الشمال الجيش المالى - أرشيفية

كتبت ريهام عبد الله

عندما أعلنت جماعة جهادية متمردة قبل أيام قليلة تخصيص مكافأة تبلغ مليوني يورو مقابل معلومات تقود إلى الرئيس المالي أسيمي جويتا، لم يُنظر إلى الخطوة باعتبارها مجرد حرب دعائية أو محاولة لاستقطاب الاهتمام الإعلامي.

فقد رأى مراقبون أن الإعلان يمثل مؤشراً على مرحلة جديدة من الصراع داخل مالي؛ مرحلة لم تعد فيها الجماعات المسلحة تكتفي بمهاجمة الثكنات العسكرية أو السيطرة على القرى النائية، بل أصبحت تتحدى رأس الدولة بشكل مباشر وتبعث برسائل واضحة بأنها باتت ترى نفسها طرفاً موازياً للسلطة المركزية.

وجاء الإعلان بعد أيام قليلة من قرار السلطات المالية تخصيص مكافآت مالية كبيرة لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال أو تصفية قادة الجماعات المسلحة، وفي مقدمتهم إياد أغ غالي، أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالتمرد المسلح في البلاد.

وهكذا تحولت مالي إلى ساحة مواجهة مفتوحة، لا تدور فقط في الصحاري والجبال والقرى البعيدة، بل تشمل أيضاً حرباً استخباراتية ونفسية بين الدولة وخصومها.

لكن المكافآت المتبادلة ليست سوى أحدث فصول أزمة بدأت قبل أكثر من عقد، وتحولت مع مرور الوقت إلى شبكة معقدة من الصراعات السياسية والعرقية والقبلية والدينية، جعلت مالي واحدة من أكثر بؤر عدم الاستقرار خطورة في القارة الأفريقية.

 

من انهيار الدولة في الشمال إلى الأزمة الوطنية

لفهم المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى عام 2012 عندما اندلع تمرد واسع في شمال مالي قادته حركات أزوادية تطالب بمزيد من الحكم الذاتي أو الاستقلال. وسرعان ما استغلت جماعات جهادية الفوضى الناجمة عن التمرد لتوسيع نفوذها والسيطرة على مدن رئيسية في الشمال.

في تلك الفترة، بدت الدولة المالية عاجزة عن الدفاع عن أراضيها، الأمر الذي دفع فرنسا إلى التدخل عسكرياً مطلع عام 2013 ضمن عملية "سيرفال"، التي نجحت في استعادة عدد من المدن الرئيسية من أيدي الجماعات المسلحة.

لكن ما بدا حينها نصراً سريعاً تحول لاحقاً إلى حرب طويلة ومعقدة، فالجماعات المسلحة لم تُهزم نهائياً، بل أعادت تنظيم صفوفها وتكيفت مع الضغوط العسكرية، وانتقلت من السيطرة المباشرة على المدن إلى اعتماد حرب الاستنزاف والكمائن والهجمات الخاطفة.

وبمرور الوقت توسعت رقعة العنف من شمال مالي إلى وسطها، ثم امتدت إلى بوركينا فاسو والنيجر، لتتحول منطقة الساحل بأكملها إلى واحدة من أكثر مناطق العالم تضرراً من التمرد المسلح.

 

تبدل المشهد السياسي

بين عامي 2020 و2021 شهدت مالي حالة من عدم الاستقرار السياسي انتهت بوصول العقيد أسيمي جويتا إلى السلطة.

بررت المؤسسة العسكرية تدخلها بعجز الطبقة السياسية عن مواجهة الانفلات الأمني والفساد وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

وقد استقبل جزء من الرأي العام هذه التحولات بقدر من الترحيب أملاً في أن تتمكن القيادة الجديدة من استعادة الأمن وإنهاء سنوات الفوضى.

لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن الأزمة أعمق من أن تُحل عبر تغيير الحكومات فقط، فالمشهد الأمني ظل هشاً، بينما استمرت الجماعات المسلحة في توسيع نشاطها داخل مناطق عديدة من البلاد.

كما دخلت باماكو في مواجهة سياسية مع شركائها الغربيين، خصوصاً فرنسا، قبل أن تتجه نحو تعزيز التعاون العسكري مع روسيا وتطالب بانسحاب القوات الفرنسية ثم قوات بعثة الأمم المتحدة.

 

ما الذي تغير بعد رحيل فرنسا والأمم المتحدة؟

مثّل خروج القوات الفرنسية ثم انسحاب بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام تحولاً استراتيجياً كبيراً في المشهد المالي.

فمن جهة، اعتبرت السلطات المالية أن استعادة السيادة الوطنية تتطلب إنهاء الاعتماد على القوات الأجنبية. ومن جهة أخرى، حذر منتقدون من أن الانسحاب سيترك فراغاً أمنياً قد تستفيد منه الجماعات المسلحة.

وبعد مرور فترة على هذه الانسحابات، تشير التطورات الميدانية إلى أن المخاوف لم تكن بلا أساس. فالجماعات المسلحة كثفت عملياتها في عدة مناطق، وازدادت الهجمات على القواعد العسكرية وطرق الإمداد، بينما باتت بعض المناطق الريفية بعيدة عملياً عن سيطرة الدولة المباشرة.

 

من يسيطر على الأرض فعلياً؟

رغم أن الحكومة المالية لا تزال تسيطر على العاصمة باماكو، وعلى المؤسسات السيادية والمطارات الرئيسية والمدن الكبرى، فإن الصورة على الأرض أكثر تعقيداً مما توحي به الخرائط الرسمية.

في الشمال، تواصل الحركات الأزوادية المسلحة الاحتفاظ بنفوذ معتبر داخل مناطق صحراوية واسعة، مستفيدة من معرفتها بالجغرافيا المحلية ومن شبكاتها القبلية والاجتماعية.

أما في الوسط، فتتمتع الجماعات الجهادية بحضور متزايد في عدد من المناطق الريفية، حيث أصبحت قادرة على فرض قيود على حركة القوات الحكومية، وتنفيذ هجمات متكررة ضد مواقع الجيش وقوافل الإمداد.

ولا يعني ذلك أن هذه الجماعات تسيطر سيطرة كاملة ومطلقة على تلك المناطق، لكن نفوذها أصبح كافياً لإضعاف سلطة الدولة وعرقلة قدرتها على إدارة تلك المناطق بصورة طبيعية.

ويؤكد خبراء أمنيون أن المشهد الحالي أقرب إلى "سيطرة متنازع عليها" منه إلى سيطرة كاملة لأي طرف، حيث تظل بعض المناطق مسرحاً لصراع دائم تتبدل فيه موازين القوى باستمرار.

 

هجمات 2026.. رسالة بأن الحرب لم تنته

شهد عام 2026 سلسلة من الهجمات المنسقة التي استهدفت قواعد عسكرية ومنشآت حكومية في أكثر من منطقة.

وأظهرت تلك العمليات أن الجماعات المسلحة باتت تمتلك قدرات تنظيمية ولوجستية تسمح لها بتنفيذ هجمات متزامنة على نطاق واسع، وهو تطور أثار قلقاً كبيراً داخل الأوساط الأمنية.

كما كشفت الهجمات عن استمرار التحديات التي تواجه الجيش المالي رغم سنوات من العمليات العسكرية المكثفة.

ففي الوقت الذي تحقق فيه القوات الحكومية نجاحات موضعية في بعض المناطق، تنجح الجماعات المسلحة في فتح جبهات جديدة وإرباك الخطط العسكرية من خلال اعتماد تكتيكات مرنة يصعب مواجهتها بالأساليب التقليدية.

 

كيف توسع الجماعات المسلحة نفوذها؟

لم يعد النفوذ العسكري وحده هو الأداة التي تعتمد عليها الجماعات المسلحة.

ففي عدد من المناطق الريفية، تسعى هذه الجماعات إلى لعب أدوار تتجاوز العمل القتالي، من خلال التدخل في النزاعات المحلية، وتنظيم بعض الأنشطة الاقتصادية، وفرض أنظمة خاصة لحل الخلافات.

ويرى باحثون أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى بناء روابط مع المجتمعات المحلية وكسب شرائح من السكان الذين يشعرون بأن الدولة غائبة عن مناطقهم.

كما تستفيد الجماعات المسلحة من التوترات القبلية والخلافات على الأراضي والمراعي والموارد الطبيعية لتوسيع نفوذها واستقطاب مقاتلين جدد.

 

الاقتصاد تحت الحصار

لا تقتصر آثار الأزمة على الجانب الأمني، فالهجمات المتكررة على الطرق الرئيسية أثرت على حركة التجارة ونقل البضائع، كما تسببت حالة عدم الاستقرار في تراجع الاستثمارات وإبطاء النشاط الاقتصادي.

وتواجه الحكومة تحديات متزايدة في تمويل الخدمات العامة وتوفير فرص العمل، بينما تتزايد الضغوط الاجتماعية الناتجة عن ارتفاع الأسعار وتراجع مستويات المعيشة.

وفي بلد يعتمد جزء كبير من سكانه على الزراعة والرعي، فإن استمرار النزاع يهدد مصادر الرزق ويزيد من معدلات الفقر والهشاشة الاقتصادية.

 

المدنيون.. الضحايا الدائمون للحرب

ربما يكون المدنيون هم الخاسر الأكبر في الأزمة المالية.
فملايين الأشخاص تأثروا بشكل مباشر أو غير مباشر بالنزاع، سواء عبر النزوح أو فقدان مصادر الدخل أو تراجع الخدمات الأساسية.

كما تتحدث منظمات حقوقية باستمرار عن انتهاكات ترتكبها أطراف مختلفة في النزاع، تشمل القتل والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري.

وأدت حالة عدم الاستقرار إلى إغلاق مدارس ومراكز صحية في بعض المناطق، ما زاد من معاناة المجتمعات المحلية وأضعف فرص التنمية طويلة الأجل.

 

تحالف الساحل.. فرصة أم رهان محفوف بالمخاطر؟

تراهن مالي حالياً على التعاون مع النيجر وبوركينا فاسو ضمن تحالف دول الساحل.

ويهدف التحالف إلى تنسيق العمليات العسكرية ومواجهة الجماعات المسلحة التي تنشط عبر الحدود.

لكن نجاح هذا المشروع سيعتمد على أكثر من القوة العسكرية وحدها، إذ يرى محللون أن معالجة جذور الأزمة تتطلب إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية.

تكشف المكافأة التي وُضعت على رأس الرئيس أسيمي جويتا أن الصراع في مالي دخل مرحلة جديدة أكثر خطورة وتعقيداً. فبعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة، لا تزال الدولة تحتفظ بمؤسساتها ومدنها الكبرى، لكنها تواجه خصوماً تمكنوا من ترسيخ نفوذهم في مساحات واسعة من البلاد.

ولم تعد المعركة تدور حول السيطرة على مدينة أو قاعدة عسكرية فحسب، بل أصبحت معركة على
الشرعية والنفوذ والقدرة على إدارة الأرض والسكان. وبينما تسعى السلطة العسكرية إلى إثبات قدرتها على استعادة الأمن، تواصل الجماعات المتمردة والجهادية توسيع حضورها واستغلال هشاشة الأوضاع المحلية.

وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، تبدو مالي اليوم أمام صراع طويل قد لا يحدد مستقبلها وحدها، بل مستقبل منطقة الساحل بأكملها خلال السنوات المقبلة.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة