كان الموت في بيوتنا يعني الصمت المهيب، ورائحة القهوة السادة التي تعلن جلال الموقف، و"لقمة بسيطة" يقدمها الجيران لمواساة أهل المتوفى الذين هدّهم الحزن والذهول.
اليوم، تبدلت الملامح عند البعض وانقلبت الآية، وتحول السرادق من ساحة للوعظ والدموع الصادقة، إلى مسرح مفتوح لـ "المنظرة" والتباهي الاجتماعي، وإن كان ذلك استثناءً وليس قاعدة.
إننا نعيش اليوم لدى البعض مشاهد "بوفيه العزاء المفتوح"، حيث دخلت "الشياكة" على خط الموت، وتسلل فخ التفاخر إلى عمق الوجع، ليتحول مصاب الفقد الأليم من طقس إنساني جليل، إلى مناسبة اجتماعية باهظة التكاليف تُدار بعقلية منظمي الحفلات لا بقلوب المعزين.
تأمل معي مشهد العزاء الحديث لتدرك كم أصبح الحزن "لوكس"؛ فلم يعد الأمر يقتصر على كراسٍ مصفوفة وقارئ حسن الصوت، بل تحولت السرادقات إلى قاعات عرض مضاءة بأحدث تقنيات الإنارة، وانتشرت كاميرات المصورين المحترفين لالتقاط "كادرات" النجوم والشخصيات العامة وهم يواسون أهل الميت، وكأننا في مهرجان سينمائي اتشح بالسواد.
المفارقة الساخرة تكمن في ذلك "البوفيه المفتوح" الممتد على أطراف السرادق، حيث تتنافس عائلات المتوفين في تقديم أفخم أنواع المشروبات الساخنة والباردة، ليتنقل المعزون بين المشروبات، وتتحول الأحاديث من الدعاء للمتوفى بالثبات، إلى تقييم جودة مستوى الخدمة.
هذا التحول المرير من السكينة إلى "المشروبات والكاميرات"، ومن الحزن إلى "الحفلة"، فرض عبئاً ثقيلاً فوق كاهل الأسر، لا سيما المتوسطة منها، فالأهل الذين يبكون حبيبهم الراحل، يجدون أنفسهم مطحونين بين مطرقة الفراق الصاعق وسندان "البرستيج" الاجتماعي؛ إذ يتعين عليهم تدبير مبالغ طائلة لحجز القاعات الفارهة أو إقامة السرادقات المبهرة بالأرياف، وتوفير الـضيافة المبالغ فيها، خوفاً من ألسنة الناس التي لا ترحم، والتي قد تتهمهم بالبخل أو التقصير في حق الميت.
لقد تاهت عند البعض حكمة الموت وسط فوضى المظاهر، وصار الموت مكلفاً كالحياة تماماً، وتحول التضامن الإنساني الذي عُرف به ولاد البلد إلى طقس مادي جاف يخلو من نَفَس الود.
إننا بحاجة ماسة لخلع أقنعة الـمباهاة عند أعتاب المقابر، وإعادة الهيبة للحظة الفراق، الموت لا يحتاج إلى "فوتوجرافر" ليوثق الدموع، ولا إلى بوفيه مفتوح ليغذي البطون؛ بل يحتاج إلى دعوة صادقة تخرج من قلب نقي، ومواساة صامتة تضمد جراح المنكسرين، وكتف يستند إليه المكلوم دون أن يسأل عن تكلفة السرادق.
دعونا نكسر هذا الفخ قبل أن تلتهم المظاهر ما تبقى فينا من إنسانية، ولنتذكر دائماً أن جلال الموت أرفع بكثير من أن يُقاس بحجم الـلايكات أو فخامة المشروبات وعدسات الكاميرات، وأن روعة العزاء كانت وستظل في "اللمة" الصادقة والدعاء المستجاب، لا في "الشياكة" الزائفة التي تبكي الميت بـ "البوفيه".