كيف يفكر الجاهل؟
كيف يتلقى الأشياء؟ وكيف يصدر أحكامه على الناس والأفكار والحياة؟
إن السمات النفسية للعقل الجاهل تكاد تنكشف سريعًا في حديث صاحبه، وفي منطقه، وفي طريقته في الحكم على الأشياء. فالجاهل ليس عقلًا فارغًا كما يظن البعض، بل هو – على العكس – عقل مكتظ بالسطحي والهش من المعارف، ممتلئ بضجيج المعلومات لا بعمق الفهم، يملك من العبارات أكثر مما يملك من الإدراك، ومن اليقين أكثر مما يملك من الوعي.
إنه يظن نفسه قادرًا على حل أعقد القضايا بكلمة عابرة، أو بنظرة سريعة، أو بحكم نهائي لا يحتمل النقاش. وهذه هي الخديعة الكبرى التي يعيش فيها؛ فهو لا يخدع الآخرين بقدر ما يخدع نفسه. لأن من يصغي إليه يدرك سريعًا أن ذلك اليقين الصاخب ليس إلا غطاءً لفراغ فكري عميق.
ومن أبرز سماته النفسية: الغرور، واليقينية المطلقة، والميل الدائم إلى الجدل لا بحثًا عن الحقيقة، بل رغبةً في إثبات ما يراه حقًا نهائيًا لا يقبل المراجعة. فهو يحكم على الأمور بسهولة مدهشة، وبسرعة تثير الريبة، دون وعي بطبيعة ما يحكم فيه أو تعقيده.
ومعرفته في الغالب ليست نتاج قراءة وتمحيص وتجربة، بل حصيلة آراء عامة، وعادات متوارثة، وأفكار تلقّاها من الجماعة حتى استقرت في ذهنه كأنها حقائق مقدسة. إنه يدافع عن أفكار لم يصنعها، ويقاتل من أجل قناعات لم يتعب في بنائها، ويغضب لكل رأي يخالف ما وجد الناس مجتمعين عليه.
ولذلك فإن من يناقشه لا يواجه عقلًا باحثًا عن الحقيقة، بل يواجه يقينًا مغلقًا يخشى الاهتزاز. فكل من يجادل هذا العقل يُتَّهَم مباشرةً بنقص الفهم، أو فساد الفكر، أو الجهل بأمور الدنيا. وكأن الحقيقة عنده شيء مكتمل استقر بين يديه وحده، لا يحتمل الخطأ ولا يسمح بالمراجعة.
ولو قرأ هذا الإنسان حقًا، واطلع، وتأمل تاريخ الفكر البشري، لأدرك أنه لا توجد فكرة بشرية لا تحتمل الصواب والخطأ معًا، وأن المعرفة الحقيقية لا تمنح صاحبها غرورًا، بل تمنحه تواضعًا وقلقًا وأسئلة لا تنتهي. غير أن الجهل كثيرًا ما يدفع صاحبه إلى التعلق بما يراه حقًا مطلقًا، وما يظنه باطل الباطل، ثم ينطلق بعد ذلك يهاجم مخالفيه بعنف بالغ، فيرميهم بالتهم، ويخوض فيهم سبابًا وتجريحًا، ويصورهم أعداءً للدين أو للمجتمع أو للثوابت، بينما قد تكون تلك “الثوابت” نفسها موضع شك عقلي أو حتى ديني، وهو لا يدرك ذلك إدراكًا حقيقيًا.
وأمثال هؤلاء كثيرون؛ لأن الجهل غالبًا ما يكون أعلى صوتًا من العلم، ولأن التقليد أيسر على النفس من التفكير. ولهذا تبدو أعقد المشكلات الفلسفية والعلمية والإنسانية – في نظر هذا العقل – مسائل بسيطة لا تحتاج إلا إلى رأي سريع وحكم قاطع. فهو يعتقد أنه يمتلك عقلًا قادرًا على تفتيت المعضلات في لحظات، بينما هو في الحقيقة خالي الوفاض من أي معرفة عميقة..
إنه فراغ فكري مغطى بالثقة.
فالواقع الذي يتهم الآخرين بعدم فهمه، هو نفسه عاجز عن تفسيره. والأفكار التي يهاجمها لم يقرأها أصلًا، والتجارب التي يسخر منها لم يحاول فهمها يومًا. إنه ينكر لأنه يجهل، ويرفض لأنه يخشى أن ينكشف جهله، وربما كان ذلك يتم داخله بصورة لا واعية لا يشعر بها.
ومن هنا يبدأ في إسقاط عيوبه على الآخرين؛ فيتهمهم بالسطحية وهو غارق فيها، ويتحدث عن الجهل وهو أحد ضحاياه، ويحاكم الناس بأحكام قاسية يمليها عليه خواؤه العقلي واضطرابه الداخلي. ثم يصدق تلك الأحكام حتى تتحول عنده إلى يقين راسخ لا سبيل إلى زحزحته.
ولهذا يصعب إقناع هذا النوع من العقول بجهله؛ لأن المشكلة ليست نقصًا في المعلومات فقط، بل انسداد نفسي عميق. إنها عقول مغلقة بأقفال لا تُفتح من الخارج، بل من داخل النفس نفسها. ولذلك يعيش أصحابها سنوات طويلة داخل أوهامهم، ويموتون وهم مقتنعون أنهم كانوا حراس الحقيقة، وأن العالم – لولا يقينهم – لبقي تائهًا في ظلمات العقول.
خالد دومة