بعض الصفات لا تُنَحَّى ولا تتجزّأ؛ فإمّا مثلاً يكون المرء مجنونًا مُرعبًا على طول الخطِّ، أو لا يكون مُطلقا. والتبدُّل بين الحالين يُلوّث الماء دون أن يُحوّله لسائلٍ آخر؛ فلا يُؤخَذ على محمل الجدّ، لا فى العقل ولا الجنون!
إلى أقصى اليمين، لدينا نيرون فى التاريخ، وكان هتلر من الصنف نفسه: فنانا فاشلاً، فسفّاحًا، وصولاً لطريقة اختتام حياته مع الرفيقة إيفا.
والنوع المُقابل يتزّعمه ترامب فى أيّامنا، يقول ما لا يفعل، ويفعل خلاف ما يقول، ويبدو أنه، عن قلّة وَعىٍ، أفسد وَصفة نيكسون وكسينجر.
خرج الحوت من حوضه الضيّق بعد الحرب العالمية الثانية؛ فأحسّ بضخامة حجمه وفائق قوّته، وتعاظمت أطماعه بالتبعية. والعالم انقسم على اثنين؛ ثم أخذ يميل يمينًا، مع طيفٍ باهتٍ من الماضى الأحمر.
تصلح القوّة الخشنة حينًا، ويجب ألا يُستعان بها فى أكثر الأحيان. وقد تكفّلت الأدوات الناعمة بالدور الأكبر، من خطّة مارشال، مرورا بالفن والاقتصاد والفاعلية الأُمَميّة، وما تبقَّى لا حلّ له إلا الدقّ بالمطرقة، أو التلويح على الأقلّ.
تفتّق ذهن مستشار الأمن القومى ووزير الخارجية عن لُعبة ثنائية مع الرئيس، يتصنّع الأخير الجهامة، ويُحذّر الأول من مزاجه واندفاعته، ما يُحقّق الترويض والمطاوعة، ويُوجّه استجابات الخصوم بالقدر المطلوب فى المكان والزمان.
أثمرت «نظرية الرجل المجنون» فى وقائع عِدّة، واستُخدِمَت من بعض الرؤساء التالين بدرجاتٍ مُتفاوتة؛ وإن ظلّت أقلّ صخبًا وانكشافًا من نسختها الافتتاحية.
استعارها المُطوّر العقارى «المستر دونالد» منذ عقود، وضَمَّنها بصيغةٍ مُكيّفة مع السوق فى أحد كُتبه الستّة عشر، فن الصفقة، وأخيرًا راهن عليها داخل البيت الأبيض، لا سيما بولايته الثانية.
غير أنّ النتيجة على خلاف ما يُرَام؛ إذ فقدت المزاجيّة طاقتها مع الإفراط فيها، وكَونها لم تَعُد سَوطًا فى اليد كما يُفتَرَض، بقدر ما ترجمت الارتباك إقدامًا وإحجامًا، وظهّرت العجزَ بأكثر مِمّا عبّرت عن الاقتدار!
أُحصِيَت على سيد البيت الأبيض عشرات الرسائل وضدّها، وكان الانقلاب لا فى اليوم أو الساعة فحسب؛ بل فى الجملة الواحدة، وقبل أن يجفّ نَقيضُه فى آذان السامعين.
ومن الإحصاءات التى وثّقتها عليه الصحافة، أنه بشّر منذ أواخر مارس بتوقيع اتفاق مع إيران نحو ثمانٍ وثلاثين مرّة، أُضيفت إليها واحدة مُجدَّدًا.
كما هدّد بالحرب والشطب وتدمير الحضارة الفارسية أضعاف ذلك، وما ارتدعت الجمهوريةُ الإسلامية بالقتال، ولا وقّعت عقودَ الامتثال!
لصانع السجّاد حرفةٌ وصبر؛ ثمّ يضع منسوجته لدى تاجر البازار، لينطلق من نقطة عالية، مع نَفَسٍ طويل، وحدٍّ أدنى لن يكسره تحت أىِّ ظرفٍ.
اختبرَتْ الجغرافيا الفارسية أهوالاً لا حصر لها طوال تاريخها، ولامست ذروةَ المجد وقاع الانكسار، ولديها قدرة عظيمة على التكيّف، ويقينٌ راسخ بالصيرورة والتغيُّر.
ولسان حال الفُرس عمومًا، وفى طبعتهم الشوفينية/ الصفويّة، المعجونة بحِنطة العِرق الآرى وماء المذهب الشيعىّ، يُحاكون فيه حليفهم الصينى: «اجلس على النهر؛ حتى يأتيك بجثّة عدوّك»!
تدرّجوا مع الغريم من البرودة للاشتعال، والعكس، وخَبروا أنه عاجز عن الحسم، يفقد الحماسة سريعًا، وعليه ضغوط تعتصر رئتيه؛ فلا تُبقيه قادرًا على البقاء بين الدخان والغبار.
عاد الكلام مُجدّدًا عن صفقة، ويُختَلَف فى التفاصيل: يزعُم أن المُرشد المُختبئ واكب المفاوضات، ووضع توقيعه على الشروط كاملة. ويدّعى الآخرون أنهم حصّلوا باقتهم الكاملة، وأن الدبلوماسية ظهير للميدان.
مُجرّد مذكرة تفاهم، أكّد الباكستانيون قُرب الاتفاق عليها. ولا يُعرَف عنها إلَّا أنها تمن أربعة عشر بندًا، ومحورها تجديد الهُدنة شهرين، تُبحَث خلالهما الأمور الخلافية، مقابل تسويات مُتبادَلة بشأن المضيق والحصار والعقوبات والأموال.
سرّب صقور طهران ما عكّر مزاج نسور واشنطن: تجميد الجبهات كافّةً، تحرير مليارات الدولارات، واستبعاد الصواريخ الباليستية من النقاش.
وعقّب ترامب بأن المنشور لا صِلة له بالحقيقة المُتَّفَق عليها كتابةً، مُتّهمًا شركاءه بافتقاد النزاهة وحُسن النيّة، ومُحذّرًا بأن عليهم «تدبُّر أوضاعهم بسرعة».
لا الأوّل صريح، ولا الآخر صادق. كلاهما يُناور، ويحاول الخداع على مستويين: الخصم فى لعبة الكرّ والفرّ، والقاعدة الشعبية هُنا وهناك؛ ليُعوّض بالدعاية والاحتيال ما تعذّر عليه بالقتال.
يعرف الأمريكيون أنهم ماضون لصفقة سيئة، ومُضطرّون للمواصلة. والإيرانيون أيضًا؛ غير أنهم يُقنعون أنفسهم بسرديّة النصر، لمجرّد أن الهزيمة غير صريحة.
والطريقة الواحدة تُشبه الأقطاب المُتنافرة؛ فلا تُبشّر بتعايُش طويل، بل تسويات ظرفية ومرحلية لأسباب شتّى، أهمّها تجديد الهواء فى غرفتَى الحرب.
طهران تضرّرت، وتتطلّع إلى فسحة لالتقاط الأنفاس. والأمريكيون يئنّون من التضخم وأوضاع الاقتصاد.. الصفقة حاجةٌ مُلحّة، وأقرب من أى وقت مضى.
تحدَّدت جنازة المُرشد لأسبوعٍ كامل، تنطلق للمفارقة فى الرابع من يوليو، يوم عيد الاستقلال الذى تحل ذكراه الـ250، وسط أجواء كأس العالم، وقبل الغرق فى الانتخابات.
وما كانوا ليتجرّأوا على الموعد؛ إلّا لعلمهم باقتراب التهدئة. والمُهلة قد تُمَدَّد فتغطّى تجديد الكونجرس، وقد تتعثّر فيعود التوتّر، ثمّ دورة جديدة من الإحماء والتبريد.. لا حلَّ ولا انفجار؛ إنما قطّ وفأر، ورقصات مُتقطّعة.