في المغرب عدد من المؤسسات العلمية، لكن يأتي التميز من الأكاديمية المغربية، إذ نرى صعودًا علميًا ورسوخًا في هذه الأكاديمية التي تأسست عام 1977.
تستعد الأكاديمية الآن لإطلاق موسوعة من عدة مجلدات، حررها الدكتور الحسن الوزان، وشارك فيها 150 عالمًا، عن الثقافة والتراث المغربي، في حدث يجمع المغاربة.
كما أطلقت مكتبة رقمية أتاحت فيها مطبوعاتها، في الوقت الذي تطبع فيه بانتظام المحاضرات العلمية التي تُلقى في قاعاتها، مثل المحاضرة الرائعة التي ألقاها الدكتور حسن رشيق تحت عنوان «الأنثروبولوجيا.. الألفة والبعد»، ومحاضرة الدكتور مبارك ربيع «باتجاه بيداغوجيا للذكاء»، وكلتا المحاضرتين طُبعتا باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وانتشرتا في العالم كغيرهما، فصارت الأكاديميات العلمية في العالم تتسابق للشراكة مع الأكاديمية المغربية.
في المغرب، ترى الأكاديمية المغربية تتفاعل مع المحيط الأوروبي عبر عدد من المؤتمرات، مثل المؤتمر الشهير الذي أقامته عام 2022 تحت عنوان «البحر المتوسط.. أفقًا للتفكير»، فصارت أوراقه التي نُشرت باللغتين العربية والفرنسية يجري تداولها في العديد من الجامعات ومراكز الأبحاث، وصار ذكر البحر المتوسط يقترن بالإشارة إلى أوراق هذا المؤتمر، وهذه قوة ناعمة مضافة للمغرب.
بل إن المواسم الثقافية المتخصصة التي تقيمها الأكاديمية المغربية قدمت خدمات جليلة للسياسة المغربية، مثل موسم «كنوز الإسلام في أفريقيا»، والذي استمر على مدار عامي 2019 و2020، وكرس علاقة المغرب بالمثقفين والعلماء الأفارقة، ونُشرت هذه المحاضرات بالفرنسية والعربية.
وفي نوفمبر 2026 صدر مرسوم ملكي بإعادة تنظيم الأكاديمية المغربية، أُحدث فيه المعهد الملكي للبحث التاريخي، وهو مؤسسة علمية منوط بها مهمة البحث في تاريخ المغرب، والارتقاء بالمعارف المتصلة بماضيه القريب والبعيد، بهدف ترسيخ الهوية المغربية، وتأصيل الذاكرة الجماعية، مع الانفتاح على مختلف الشركاء التاريخيين الآخرين.
وسرعان ما نشط المعهد الجديد، فشرع في تطوير الرصيد الوثائقي والأرشيفي الخاص بهذا المجال، مع مشاريع بحثية وأنشطة علمية خاصة بتاريخ المغرب، فاستدعى الدكتور مهدي أغويركات، الأستاذ في جامعة بوردو مونتين بفرنسا، لإلقاء محاضرة بعنوان "ابن خلدون: مسارات مفكر مغربي".
غير أن النشاط الذي أقف أمامه هو دورة تكوينية للطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه، تخصص التاريخ، في موضوع: "استدعاء الماضي وإشكالية كتابة "التاريخ الوطني"، أي تاريخ "بديل"؟ تاريخ المغرب في الأسطوريوغرافيا المعاصرة نموذجًا"، أسهم في تأطيرها السيد حميد عرايشي، أستاذ التاريخ بجامعة محمد الأول بوجدة.
سعت هذه الدورة التكوينية، التي حضرها 23 من الطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه، تخصص التاريخ، من مختلف الجامعات المغربية، إلى الوقوف عند الإشكاليات التي يطرحها البحث التاريخي بصفة عامة، وتاريخ المغرب القديم بشكل خاص، وما لذلك من انعكاسات على الكتابة التاريخية.
وقد شملت الدورة محاضرتين ألقاهما الأستاذ حميد عرايشي، إحداهما في افتتاح اليوم الأول، وأخراهما في مستهل اليوم الثاني، أعقبت كل واحدة منهما ورشتان تكوينيتان أشرفت عليهما السيدتان: هدى العبودي، أستاذة التاريخ بجامعة المولى إسماعيل بمكناس، وسناء حساب، أستاذة التاريخ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء؛ تلاهما نقاش جماعي مستفيض لما طُرح في المحاضرتين والورشات من أفكار وإشكالات منهجية ومعرفية متعلقة بموضوع الدورة.
والسيد حميد عرايشي أستاذ التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول بوجدة. شارك في تنظيم وتنشيط تظاهرات علمية وطنية ودولية حول تاريخ وآثار شمال أفريقيا القديم. وتركز أبحاثه على تاريخ وآثار المغرب القديم في الكتابات الحديثة والمعاصرة.
ومن ضمن أعماله الحديثة كتاب: «نظرات حول المغرب القديم، بين الرواية الكولونيالية والحكامة الوطنية، أي تاريخ؟ إسطوريوغرافيا وبيبليوغرافيا» بالعربية والفرنسية، الصادر عامي 2019 و2020.
ويشتغل منذ أزيد من أربعة عقود على مشروع بعنوان: «ثلاثة قرون من البحث في تاريخ وآثار المغرب القديم: من أجل فهرس بيبليوغرافي»، ويتضمن أزيد من 4000 وصفة بيبليوغرافية.
إن هذه الدورة التي سعت إلى تكوين جيل جديد من المؤرخين المغاربة نموذج يستحق الوقوف عنده كثيرًا، وهي تمثل برنامج الأستاذ الزائر الذي كانت تستضيف من خلاله مكتبة الإسكندرية علمًا من الأعلام، مثل عبد الهادي التازي، العلامة المغربي الذي نقل خبراته إلى طلاب الدراسات العليا في مصر لمدة أسبوعين.