نجح علاج مناعي مبتكر في إدخال عدد من مرضى الذئبة الحمراء الشديدة في حالة هدوء من الأعراض بعد جرعة علاجية واحدة فقط، وفق نتائج تجربة حديثة أجرتها هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.
وبحسب موقع جريدة الاندبندنت البريطانية يعتمد العلاج على تقنية الخلايا التائية المعدلة وراثياً المعروفة باسم CAR-T، والتي استخدمت سابقاً بنجاح في علاج بعض أنواع السرطان، قبل أن تمتد تطبيقاتها إلى أمراض المناعة الذاتية التي لطالما شكلت تحدياً أمام الأطباء والباحثين.
ما مرض الذئبة الحمراء؟
الذئبة الحمراء مرض مناعي ذاتي مزمن يهاجم فيه جهاز المناعة أنسجة الجسم السليمة عن طريق الخطأ، مما يؤدي إلى التهابات وأضرار قد تطال أعضاء حيوية مثل الكلى والرئتين والقلب.
وتختلف شدة المرض من شخص إلى آخر، إلا أن أعراضه الشائعة تشمل آلام المفاصل والإرهاق الشديد ومشكلات الجلد والتهابات الأعضاء الداخلية، وقد تتطور الحالة لدى بعض المرضى إلى مضاعفات تهدد الحياة.
ويُقدر عدد المصابين بالذئبة في المملكة المتحدة بنحو 69 ألف شخص، معظمهم من النساء.
نتائج واعدة في تجربة بريطانية
أظهرت التجربة التي قادتها مؤسسة مستشفيات جامعة كوليدج لندن وجامعة كوليدج لندن نتائج لافتة، حيث دخل خمسة من أصل ستة مرضى مصابين بالذئبة الحادة في حالة هدوء خلال أشهر قليلة من تلقي العلاج.
وخلال فترة متابعة استمرت في المتوسط 11 شهراً، سجل الباحثون تحسناً سريعاً في مؤشرات المرض، إلى جانب استقرار أو تحسن وظائف الكلى لدى المرضى الذين كانت أعضاؤهم متضررة بسبب المرض.
كما أظهرت النتائج مؤشرات على إعادة توازن الجهاز المناعي بدلاً من مجرد كبح نشاطه مؤقتاً، وهو ما اعتبره الباحثون خطوة مهمة نحو تحقيق علاج طويل الأمد.
كيف يعمل علاج CAR-T؟
يعتمد العلاج على سحب الخلايا التائية من جسم المريض وإعادة تعديلها وراثياً داخل المختبر لتصبح قادرة على التعرف على الخلايا المسببة للمشكلة ومهاجمتها بدقة.
وبعد إعادة حقن هذه الخلايا في جسم المريض، تبدأ في استهداف الخلايا البائية المرتبطة بتطور مرض الذئبة، ما يسمح بإعادة ضبط الجهاز المناعي والتقليل من نشاط المرض.
واستخدم الباحثون في هذه التجربة علاجاً مصمم خصيصاً لاستهداف الخلايا البائية التي تلعب دوراً محورياً في تطور الذئبة.
من الألم إلى الحياة الطبيعية
من بين المرضى الذين استفادوا من العلاج البريطانية كاتي تينكلر، البالغة من العمر 52 عاماً، والتي عانت لسنوات طويلة من مضاعفات شديدة بسبب الذئبة.
وأجبرها المرض على ترك عملها كمدربة لياقة بدنية بعد أن تسبب في آلام حادة بالمفاصل وتلف بالكلى ومشكلات في القلب والرئتين، فضلاً عن إصابتها بتسمم الدم وفشل عدة أعضاء في مراحل سابقة من المرض.
لكن بعد خضوعها للعلاج الجديد، دخلت في حالة هدوء كاملة للمرض، وتمكنت من التوقف عن معظم الأدوية التي كانت تعتمد عليها للبقاء على قيد الحياة.
وقالت إن حياتها تغيرت بشكل جذري، مؤكدة أنها استطاعت ممارسة التزلج لأول مرة منذ عشر سنوات، كما شاركت بنشاط كامل في حفل زفاف ابنتها بعد سنوات من المعاناة مع التعب والإرهاق.
وأضافت أن الفارق بين حياتها قبل العلاج وبعده يشبه الفرق بين الليل والنهار، ووصفت ما حدث بأنه "أشبه بالمعجزة".
إعادة ضبط المناعة بدلاً من قمعها
شارك في الدراسة تسعة مرضى تتراوح أعمارهم بين 12 و65 عاماً كانوا يعانون من مرض الذئبة النشط والشديد ولم يستجيبوا للعلاجات التقليدية المتاحة.
وأظهرت النتائج انخفاضاً كبيراً في الخلايا البائية المسببة للمرض بعد العلاج، وعندما بدأت هذه الخلايا في العودة بعد عدة أشهر، كانت في مراحل مبكرة وغير مرتبطة بالنشاط المرضي المعتاد.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى إمكانية تحقيق ما يعرف بـ"إعادة ضبط المناعة"، وهو مفهوم يهدف إلى تصحيح الخلل المناعي بدلاً من الاستمرار في قمع الجهاز المناعي بالأدوية مدى الحياة.
آفاق مستقبلية لعلاج أمراض المناعة الذاتية
أكد الباحثون أن النتائج الحالية ما تزال أولية وتحتاج إلى دراسات أكبر وأطول زمناً للتأكد من فعاليتها وسلامتها على نطاق واسع.
ومع ذلك، يعتقد الخبراء أن نجاح هذه التقنية قد يفتح الباب أمام استخدامها في علاج أمراض مناعية ذاتية أخرى مثل التصلب المتعدد وأمراض المناعة المعقدة التي تفتقر إلى خيارات علاجية فعالة.
ويرى المختصون أن العلاج بالخلايا التائية المعدلة وراثياً قد يمثل بداية مرحلة جديدة في الطب، يتم فيها الانتقال من السيطرة على المرض إلى السعي نحو تحقيق شفاء طويل الأمد أو ربما القضاء على المرض لدى بعض المرضى.
خطوة قد تغير مستقبل علاج الذئبة
رغم أن الطريق ما زال يحتاج إلى مزيد من الدراسات والتجارب السريرية، فإن النتائج التي حققتها التجربة البريطانية منحت المرضى والأطباء أملاً جديداً في مواجهة أحد أكثر أمراض المناعة الذاتية تعقيداً.
وإذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج، فقد يصبح العلاج بالخلايا التائية المعدلة وراثياً أحد أهم الإنجازات الطبية في علاج الذئبة الحمراء خلال السنوات المقبلة.