في الدورة الرابعة عشرة من مهرجان الداخلة الدولي للفيلم، لم يكن إعلان فوز الفيلم المصري "هابي بيرث داي"للمخرجة سارة جوهر، بالجائزة الكبرى مجرد تتويج لفيلم متميز داخل المسابقة، بل بدا كأنه لحظة رمزية خاصة في تاريخ المشاركة المصرية بالمهرجان. فعلى امتداد أربعة عشرة دورة تعاقب خلالها حضور مصري متنوع بين أفلام ونجوم ومخرجين ونقاد وصناع سينما، ظل الوجود المصري جزءًا من المشهد الثقافي للمهرجان دون أن يصل إلى منصة التتويج الأولى. لذلك جاء حصول "هابي بيرث داي" على الجائزة الكبرى، كأول فيلم مصري يحقق أي جائزة في تاريخ المهرجان، حدثًا يتجاوز حدود الفوز التقليدي، ويعكس في الوقت نفسه حيوية موجة جديدة من السينما المصرية تقودها أصوات نسائية تمتلك رؤية مختلفة وشجاعة فنية واضحة.
كانت اللحظة التي صعدت فيها بالنيابة عن مخرجته التي لم تحضر لزروف طارئة، لاستلام الجائزة لحظة شديدة الخصوصية بالنسبة إليّ. لم أكن أحمل فقط جائزة باسم فيلم مصري انتزع إعجاب لجنة التحكيم والجمهور، بل كنت أحمل أيضًا شعورًا عميقًا بالانتماء إلى فضاء ثقافي عربي وإفريقي يتجسد في مدينة الداخلة الساحرة. بينما كنت أرتدي الملحفة الصحراوية المغربية، ذلك الزي الذي يختصر تاريخًا طويلًا من التكيف مع الصحراء وجمالياتها، شعرت بأن المشهد كله يكتسب دلالة إضافية، امرأة مصرية تتسلم الجائزة الكبرى لفيلم صنعته امرأة مصرية أخرى، وسط احتفاء مغربي أصيل بالسينما وبالقصص الإنسانية العابرة للحدود. كانت لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الفن، وتلتقي فيها القاهرة بالداخلة، كما تلتقي أحلام صانعات السينما العربيات بواقع أصبح أكثر قدرة على الاعتراف بموهبتهن.
لا يمكن فصل هذا الإنجاز عن طبيعة الفيلم نفسه. فـ"هابي بيرث داي"، للمخرجة الشابة سارة جوهر، لا يعتمد على الصخب أو الخطابات المباشرة، بل يختار الاقتراب من العالم عبر عين طفلة. من خلال هذه العين البريئة والحادة في آن واحد، يفتح الفيلم أسئلة تتعلق بالطبقات الاجتماعية والرغبة في الحب والاعتراف والحق في الفرح.
سارة جوهر نجحت في بناء عالمها السينمائي بثقة لافتة، متجنبة الأحكام الجاهزة أو الميلودراما السهلة، مفضلة مراقبة التفاصيل الصغيرة التي تكشف التفاوتات الكبيرة. لقد اشتغلت على الهشاشة الإنسانية أكثر مما اشتغلت على الحدث، أمنت بأن نظرة طفلة واحدة قد تكون أبلغ من صفحات طويلة من الشرح والتفسير.
هذا الاختيار الفني كان ليكتمل بفضل الأداء الاستثنائي للطفلة ضحى رمضان، التي استحقت عن جدارة جائزة أفضل ممثلة مناصفة مع الممثلة المغربية خلود البطيوي عن فيلم "شذرات". فالأمر لا يتعلق بموهبة طفولية عابرة أو بحضور لطيف أمام الكاميرا، بل بقدرة نادرة على حمل الفيلم من الداخل، وعلى التعبير بالصمت كما بالكلام، وبالنظرة كما بالحركة. لقد منحت الشخصية صدقًا جعل المتفرج ينسى أنه يشاهد أداءً تمثيليًا، وهي واحدة من أصعب المهام التي يمكن أن تواجه ممثلًا بالغًا، فكيف بطفلة في بداياتها تقف لأول مرة أمام الكاميرا.
ما يبعث على التفاؤل أن هذا الفوز لا يبدو حدثًا معزولًا، بل جزءًا من لحظة تشهدها السينما المصرية المعاصرة، حيث تفرض المخرجات الشابات حضورهن بأعمال تمتلك حساسية بصرية وإنسانية خاصة. إذا كان "هابي بيرث داي" قد عاد من الداخلة بالجائزة الكبرى، فإن قيمة هذا التتويج تتجاوز الدرع والشهادة، إنها رسالة ثقة في سينما تؤمن بقوة الحكايات الصغيرة، وبقدرة الأطفال على كشف حقائق الكبار، وبأن امرأة مصرية تمتلك الشغف والإصرار يمكنها أن تصنع فيلمًا يصل من شوارع القاهرة إلى منصة التتويج في قلب الصحراء المغربية.