من رحم الأزمات تولد الحقائق، ومحطات البحث العلمي تترك في وجدان الباحث منهجية تفكير تصاحبه طوال حياته، فالدروس التي لا تُنسى في مرحلة الدراسات العليا بجامعة حلوان كان أبرزها درس تحديد الأهداف والعلاقات، حيث تخضع المعايير لتقييم مجرد ينأى عن العواطف والانحيازات الشخصية، لتصبح العلاقات الناجحة ثمرة حقيقية لتحقيق النتائج دون ارتهان للوعود البلاغية والكلمات المرسلة، وتلك الرؤية صاغها الأستاذ الدكتور جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان -رحمه الله وجزاه خيرًا- إذ كان له الفضل في توجيه مسار رسالتي المعنونة بـ "إشكاليات الأمن القومي العراقي: دراسة حالة البصرة".
هذا التأصيل الأكاديمي يمثل مدخلًا ضروريًا لمن يفرطون في إطلاق الأحكام انطلاقًا من انفعالات عاطفية تفتقر للمنطق العلمي، ولعل الموقف الذي شهدته اليوم في أحد المنافذ الخدمية يجسد هذا التباين في الرؤى، حيث تتيح فترات الانتظار الطويلة مساحة للحوار العفوي بين المتواجدين، وكان من بينهم رجل يعبر بفضفضة عن عدم رضاه تجاه الرئيس السيسي، وحين سأله مواطن آخر مداعبًا: "ما هي أخبار الرئيس السيسي اليوم؟"، أجاب الأول بحدة قائلًا: "إنه رجل محظوظ، فكلما تأزمت الأمور محليًا، تقع أزمة عالمية تعيد لفت الأنظار حوله وتمنحه قبلة حياة"، مما دفعني للتدخل قائلًا: "إن الحظ قائم ولا ينكر، غير أن مفاهيم الإدارة والأعمال تؤكد أن الحظ يكمن في التقاء الاستعداد بالفرصة"، وعندما استفسر عن المعنى، أوضحت له بمثال مبسط مفاده أن الرياح حين تهب بقوة، فإن الصانع الماهر هو من يبسط رداءه ليلتقط ثمار البرتقال المتساقطة.
إن الأزمات الحياتية، سواء كانت شخصية أو عامة، تعمل بمثابة عملية غربلة تظهر تداعياتها على دول العالم كافة، كالجرائم الوبائية أو الحروب الإقليمية، ومنها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي تحولت من جغرافيا عسكرية إلى جغرافيا اقتصادية، وهنا يبرز دور القائد الذي يستشرف المستقبل بالعمل والعلم والتقوى، فيحد من التداعيات السلبية بناءً على سيناريوهات علمية معدة سلفًا لمواجهة التحديات، وهو ما يدفع الشعب المصري طبيعيًا لمحبته والالتفاف حوله لما يلمسونه فيه من صمود وصدق وأمانة، ولذلك يتردد دائمًا في الأوساط السياسية وحياتنا اليومية أن العناية الإلهية تحفظ مصر وقائدها وتجبر خاطره كلما أطلت أزمة عالمية، بعدما يتضح للعامة أنه كان يتحسب لتلك الأيام الصعبة.
ويتجدد التساؤل حول مدى فاعلية الحظ في مقابل الجهد المخطط والتقوى في تسيير دفة الأوطان، والإجابة تكمن في علم الإدارة الذي لا يعترف بالحظ المطلق، بل يطرح مفهوم "عائد الحظ" (Return on Luck)، فالفرص والأزمات تطرق أبواب الجميع بلا تفرقة بين الدول أو الشركات الناجحة والفاشلة، والتمايز لا يكمن في كمية الحظ المتاحة بل في مدى الجاهزية وتأمين البدائل التي تحول الأزمة إلى أداة بناء لا معول هدم، فالأزمة فرصة للمتماسك، والالتفاف الشعبي حول القيادة وقت الخطر ينبع من البحث الفطري عن الأمان، والقائد الناجح يحول القلق إلى استقرار لأنه استعد لليوم العصيب، والحظ وإن قدم دعمًا مؤقتًا فإن عمره قصير، والمخرجات المستدامة تتطلب مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات وتحويل التهديدات إلى مكتسبات.
ووفقًا لنظرية التجذر الحضاري، فإن القيادة الناجحة توازن بين امتلاك الأدوات المادية عبر الأخذ بالأسباب، وبين العبادات والتقوى وجبر الخواطر، ليأتي التوفيق الإلهي نتاجًا لصدق النوايا، وهو ما يفسر صمود الدولة المصرية، فالأزمات الكبرى تخلق حالة من الالتفاف حول استقرار الوطن يترجمها القائد التقي الذي يحترم العلم والعمل إلى شرعية شعبية ممتدة عبر قرارات براجماتية واعية، وفي نهاية المطاف يبقي الاستعداد صانع الاستمرارية، ليكون التجذر الحضاري أسلوب حياة.