حازم حسين

رخصة التورتة والميكروباص

الأربعاء، 10 يونيو 2026 02:00 م


سمعتُها كثيرا من دون أن أستوعبها، أو تنزل لى من زَور، وخُضتُ جدالات طويلة ومُركّبة بشأنها، ورغم أنها لم تحدث معى شخصيًّا؛ فقد استشعرتُ مرارتها فى كل مرّة أُجبِر عليها مواطن مُسالم؛ لا لشىءٍ إلّا أنه لا يُحسِن أمور البلطجة وإغلاظ القول، وأنَّ «من أَمِنَ العقاب أساء الأدب» بالفعل.

فجأة، ينحو السائق إلى طرف الأسفلت، يُطفئ مُحرّك السيارة؛ ثم يلتفت للوراء بملامح مُتجهمة، صارخًا بحِدّة: «انزل يا أستاذ».. وقد ردَدتُ المُنكر باللسان حينًا، وبالقلب فى أغلب الأحيان، ونزلت قليلاً مع المطرود!

وتعيسُ الحظ فى الغالب لا يكون مُعترضًا على الأُجرة مثلاً، أو سحنة الرجل حاشا لله، وكل ما فى الأمر أنه ضاق بلفظٍ بذىء تبادله الحاكمُ بأمر الميكروباص مع رفاق الطريق والسوء، ولعلّه فى أشد حالات التجرّؤ دعاه لالتزام قواعد المرور؛ لمُجرّد خوفه على روحه، ورغبته فى أن يعود لأهله سالمًا.

تداعت الحكاية المُتكررة لذهنى فى الأيام الأخيرة، مع ذيوع موقف عن أبٍ شاب قصد أحد محلات الحلويات لخبز كعكة ميلاد خاصة ومُميّزة لأحد أطفاله، ولرغبة تخصه أو يتشاركها مع الأسرة، طلب أن يُوضَع عليها الصليب مُحاطًا بالزهور؛ فاعتراض الخباز، ولسان حاله: «انزل يا أستاذ»!

انتظرتُ حتى انطفأ التريند، وتسرّبت حرارته فى زحام اللت والعجن على منصات التواصل الاجتماعى، والأغلبية انصرفوا إلى الفرز والانتقاء والانحياز على طريقة مُشجّعى الكُرة، وبحثوا فى الدين والاجتماع وأصل الأنواع، وهل الإنسان قرد متطور أم أنهما من أصل مُتشرك.

وما أُقيم بينهم اعتبارٌ للمبدأ الأوّل: المجال العام، وحدود العلاقة فيه، وصلاحيات الذين يُؤدّون خدمات مدفوعة لغيرهم، وما يتّصل بذلك أو يتقاطع معه من القيم الإنسانية المُجرّدة، ومفهوم الحرية الحقيقية، فهمًا وممارسة.

شخصيا، قد لا أكون مُرتاحا لكثافة استحضار الرموز الدينية فى اليوميّات العادية؛ إنما يظل حقا أصيل لكل فرد أن يمضى كيفما شاء، طالما أنه لا يخترق القانون، ولا يجور على سواه، والأهم ألّا يُحكّم عقيدته فى عقائد الآخرين.

أى أن المرجعية الوحيدة تُرَدّ إلى الدولة فى صيغتها المؤسسة، ونصوصها الناظمة، مع احترام أية نصوص رديفة أو فرعية، ولكن من دون أن تُقدّم إلى الواجهة، أو تكون لها حُجّية القضاء بين الناس فيما تختص به الأُطر الوضعية المُتَّفق عليها.

وما من شَكٍّ فى أن المخبز إنما ابتُكر لوظيفة بعينها، وليس من صميم أدواره أن يكون فقيهًا أو داعية، ولا أن يقضى فى الشؤون الروحانية، ويفرز المواطنين ويُرتّبهم، ويُقرّر آلية تعاطيهم معهم، على أيّة قاعدة سوى المواطنة الكاملة والمُجرّدة.

وما كان مع التورتة والميكروباص، يتكرر يوميًّا بمئات الصور والمستويات، من أوّل منح مُعاملة تفضيلية لرجل أو امرأة لأنه مُلتحٍ أو أنها مُحجبة، والعكس بالعكس، أو حظر بعض الأماكن لاستقبال نوعية من الزبائن بسبب ملابسهم.
وكذلك الردّ على أىِّ نقد أو طلبٍ لاستيفاء الحق، فى مطعم أو مقهى وغيرهما، بإصدار حُكمٍ بالإعدام على الغاضب المغضوب عليه، وإخراجه من جنة المُتحكّمين فى خلق الله ومعاشهم والأسلوب الذى ارتضوه لأنفسهم كبشرٍ كاملى الأهلية!

ومناط الاحتكام هنا إلى القانون أوّلاً، وميزان الحقّ والواجب، وإلزامية ألا يُشكّل الشخص خطرًا على سواه، ولا أن يُنتَقَص من شعوره بالأمن والطمأنينة لأجل آخر يحصل على مزيّة تتضادّ مع القواعد الجليّة الكاشفة.

والقصد فيما فات مثلاً؛ أن النقاب لا تسرى عليه المقاصد سالفة الإشارة، لأنه يُخفى الهُويّة، ويجور على أمن فردٍ لصالح غيره، وكذلك حرية التدخين، أو التصوير بالهاتف الشخصى فى مكان عام، وكل ما يبدو شخصيًّا بالنظرة البسيطة، وله صفة جماعية على وجه الحقيقة.

الخبّاز ليس مسجدًا أو كنيسة، أى أنه لا يتحصّل على رخصته لخدمة طائفة دون أُخرى. ما يعنى أن امتناعه عن تلبية طلب لا يتصادم مع القانون والقِيَم الاجتماعية المُتعارَف عليها، يقع فى موضع المُخالفة، والافتئات على حقوق الغير.

السلوك مُتطرّف، ولا يُفسّر بلفظ آخر، وقد يكون فى سياسات المكان، أو أنه نتاج أصولية العامل نفسه؛ وإن كنت أستبعد أن يتجرّأ موظف على ذلك خشية أن يُشكَى للإدارة، ويترتّب على ذلك عقاب أو طرد!

وفى كل الأحوال؛ فإن الموقف انعكاس لحالة رجعيّة تتفشّى فى المجتمع، وتتجلّى فى كثير من المحكّات والممارسات، وفى لغة الحوار على المنصات وفى الشوارع، وحجم المُتابعة لبعض رؤوس الفتنة من التيارات والجماعات والدعاة المُتطرفين.

والأمر يتطلب اشتغالاً على التوعية والتثقيف، وجهدًا مركّزًا ومُتضافرا من المؤسسات المعنية بالتربية والتنشئة والخطاب الدينى، وفق خطة تتشارك فيها وزارات التعليم والثقافة والشباب والأوقاف، مع المدارس والجامعات والأندية ودُور العبادة؛ إنما لا يغنى كل ذلك عن القواعد الصارمة، والمُساءلة عندما يتجرأ أحد على قفز الجدار.

قد لا تبدو الممارسة مُخالفة للقانون ظاهرًا، لكنها تنطوى على تمييز واضح، وعلى نفى واستبعاد من المجال العام، والتساوى مع الآخرين دون مأخذ؛ فكأنها عقوبة سالبة للحرية بدون جريمة أو نص.

والتصدّى لها يتطلّب وضع آليات للإبلاغ والتثبّت، وتفعيل النصوص التى تسمح بالمساءلة عن تلك التجاوزات، أو ابتكارها، وتشديد الصيغ والإجراءات إن استدعى الأمر، مع فرض غرامات مُتدرجة بحسب الحالات، ومضاعفتها فى حال التكرار.

ويمكن اللجوء إلى نظام النقاط مع التراخيص بأنواعها، بحسب يُخصَم من الرصيد مع كل تجاوزٍ شبيه، وصولاً إلى تعليق الرخصة أو إلغائها تماما.

وما ينطبق على سائق الميكروباص، ينطبق على المحلات والمطاعم، وأى مكان أو نشاط مُكلّف بخدمة عامة أو مدفوعة، وليس من طبيعتها أن يتحدّد جمهورها استباقيا بالنوع أو الفئة وغير ذلك من معايير.

المجال العام حُرّ، والحرية الفردية مُقيّدة بالتقاطعات مع الآخرين، ومع البلد ونظامه. يحق للمتطرف أن يعتنق ما شاء؛ طالما لا يُمارسه علنًا ولا يُحكّمه فى علاقته بالآخرين.

وخياره الوحيد للامتناع عن أداء خدمة لشخص؛ ألا يعمل فى المهنة التى تتطلّب منه ذلك، أو يبحث عن عمل يُناسب أفكاره المُتشدّدة.

ليست مُجرّد تورتة؛ إنها ضوء كاشف، وإشارة تحذير، ودعوة جادة للتصدّى للمتطرفين والسلوكيات المُنحرفة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة